الجمعة خير الأيام: اعداد: ياسين الصيدأسباب ضعف الإيمان

إيمان العبد بالله هو رأس ماله، وأصل نجاته، وأعز ما لديه.
والإيمان عند أهل السنة قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد
بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ
إِيمَانِهِمْ}[الفتح:4].
فقلوب المؤمنين معرضة للنقص كما أنها معرضة للزيادة،
وزيادتها ونقصها إنما هو بقدر ما تتعرض له من أسباب
النقص، أو موجبات الزيادة. فقد روى الحاكم في مستدركه
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما
يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم).
ونقصان الإيمان مرض من أخطر الأمراض التي تعتري
القلوب المؤمنة، لما يترتب عليه من نتائج تؤثر على دين العبد
وعمله، فمع ضعف الإيمان يقل اليقين، ويقل التوكل، وتقل
المراقبة، ويضيق الصدر، ويقسو القلب، ومع قسوة القلب،
يتغير المزاج، ويقل التأثر بقراءة القرآن أو ينعدم، ويبدأ
الإنسان يسلك سبيل الغفلة، وشيئا فشيئا يبدأ التفريط في السنن
والمستحبات، ثم التهاون في الواجبات، ثم الوقوع في
المعاصي والمنكرات، إلى غير ذلك.
وتزيد كل هذه الواردات على القلب بزيادة ضعف الإيمان فيه،
وهذا طريق لا يتوقف إلا بأن يتولاه الله ويوقظه مما هو فيه،

وينبهه إلى خطورة ما هو مقبل عليه.. وذلك بالتخلص من
أسباب ضعف الإيمان ، والأخذ بأسباب قوته.
ولضعف الإيمان أسباب توجب رقته في القلب وترحله منه،
ومن هذه الأسباب:
1 ـ البعد عن البيئة الإيمانية:
وهذا هو أول طريق الانسلاخ، وبداية سبيل ضعف الدين،
فأول عواقبه الانقطاع عن أسباب الإيمان وزيادته، والتوقف
عن الترقي فيه.. وهي النقطة التي يبدأ منها الهبوط وضعف
الإيمان، فيتوقف استماعه للمواعظ، وما يرقق القلب، فلا
قرآن يرطب أرض القلب، ولا تهطل عليها سحب المواعظ
لتنبت الإنابة والخشية والمحبة والرضا. فتضعف شحنات
الإيمان في قلبه شيئا فشيئا حتى لا يستطيع أن يحمل صاحبه
إلى الطاعات، ويتجاوز به مواطن الفتن والموبقات. ولذلك
كان السلف يتواصون فيما بينهم “هيا بنا نؤمن ساعة”.. حتى
تبقى جذوة الإيمان مستعرة في قلوبهم، فتحرق منابت الهوى
والشهوة.

2 ـ الصحبة السيئة:
فإن الصاحب ساحب، والأخلاق تعدي، والطباع سراقة، وقد
شبه النبي صاحب السوء بنافخ الكير الذي لا يأتيك منه إلا
الشر، فهو (إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحا
خبيثة)، فليس في مخالطة ومصاحبة أهل الفسق والفجور أي
منفعة ولا مصلحة، وهي وبال في الدنيا ووبال في الآخرة
يندم فاعلها أشد الندم {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا
لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ

فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29)}[الفرقان].

3 ـ الانشغال الشديد بالدنيا:
وتشتت القلب في مساربها، وتعلق القلب بشهواتها ولذائها،
وانشغاله بتحصيلها وجمعها، حتى تنسيه الآخرة، وقد ذم الله
هذا الأمر في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا
أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ}[المنافقون:9]، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم
فاعله في السنة (من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه،
وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له)[رواه
الترمذي]، وربما زاد التعلق بالدنيا وحطامها، حتى لا يرى
الإنسان سواها ويصير عبداً لها، كما في الحديث: (تَعِسَ عبدُ
الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ
لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ) [رواه
البخاري].

4 ـ الغفلة وطول الأمل:
وهو الاستمرار في الحرص علي الدنيا ومداومة الانكباب
عليها، مع كثرة الإعراض عن الآخرة، قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}[التكاثر:1ـ2]، وقال: {اقْتَرَبَ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ
مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً
قُلُوبُهُمْ}[الأنبياء]، وقال: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر:3].

إن طول الأمل يدفع إلي المعاصي، ويبعد عن الطاعات، وهو
من أسباب انتهاك الحرمات والتعدي على الآخرين، وسلب
حقوقهم، فلا تغتر بطول عمر، أو وفرة شباب، أو قوة بدن.
وكان النبي يحذر من هذا في أحاديثه كقوله لابن عمر (كن في
الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)[رواه البخاري].
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: “إن أخوف ما أخاف عليكم
اتباع الهوي وطول الأمل، فأما اتباع الهوي فيصد عن الحق،
وأما طول الأمل فينسي الآخرة”.
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: “لا يطولن عليكم الأمد
فتقسوا قلوبكم وتنقادوا لعدوكم”.

5 ـ فقدان القدوة الصالحة:
وقد غابت عن قلوب الناس وعيونهم القدوات الصالحة أو
غيبت، وعرضت لهم قدوات لا تزن في موازين الرجولة
وموازين الأدب والفضل، والأخلاق والبطولة الحقيقية شعرة،
أو مثقال ذرة، أناس تافهون، جاهلون، فاجرون فاسقون،
صدّروهم للشباب وللناس في القنوات، أبعد ما يكونون عن
الدين والعلم والخلق والثقافة، فتشبه بهم الناس فنزلوا إلى
الحضيض في كل الاتجاهات.

6 ـ الوقوع في المعاصي:
وهي علامة على ضعف الإيمان، ونتيجة من نتائجه، وهي
أيضا سبب من أسبابه، فإذا رق دين العبد وضعف إيمانه سهل
وقوعه في المعاصي والذنوب، فإذا وقع فيها كانت سببا لزيادة
ضعف الإيمان، ومرض القلب.. قال ابن عباس: “إن للسيئة

لسواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن ونقصاً
في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق”. فكل ذنب ينكت في
القلب نكتة سوداء، فإن لم يتب زاد السواد حتى يطبق على
القلب فيخنقه أويميته: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ}[المطففين:14].
فهذه بعض أسباب ضعف الإيمان، وبدفعها والعمل بضدها
يقوى إيمان المسلم.
شهر شعبان..
شهر تزكية القلوب والأعمال

عندما دخل شهر شعبان، رأى الصحابة رضوان الله عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في هذا الشهر ما لا
يصوم في غيره، فسألوه عن سبب ذلك واختصاصه شعبان
بهذه الزيادة الواضحة في هذه العبادة الربانية حتى يكاد أن
يصومه كله، فقد روى الإمام أحمد والنسائي عن أسامة بن
زيد أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “لم أرك تصوم في
شهر ما تصوم في شعبان؟ قال: [ذاك شهر يغفل الناس عنه
بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب
العالمين عز وجل، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم]. حسنه
الألباني.
غفلة الناس
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن سبب كثرة صيامه في شعبان
لغفلة الناس عن هذا الشهر بين رجب الحرام ورمضان

المبارك، فأحب أن يكون ممن يعبد الله في زمان غفلة الناس.
لأن للعبادة وقت الغفلة مزايا كثيرة، فهي سبيل أهل الصفوة،
وعلامة اليقظة، ودليل حياة القلب وتعلقه بالله لا بالناس.
ثم إن العبادة وقت الغفلة أكثر مشقة على النفوس؛ وذلك لقلة
العابدين وندرة من يقتدى بهم في الخير، وكثرة أهل الغفلة
فتستمرأ المعاصي، وتسهل وتخف عليهم، وتستثقل الطاعة
وتصعب على النفوس لغربة أهلها بين الناس. قال صلى الله
عليه وسلم في صحيح مسلم: [بدأ الإسلام غريبًا وسيعود
غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء]، وجاء وصفهم في بعض
الروايات بأنهم: [الذين يصلحون إذا فسد الناس] و في لفظ
[قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، مَنْ يَعصيهِمْ أكثَرُ
مِمَّن يُطيعهم ]
والعبادة زمان الغفلة أدعى للإخلاص، وأبعد من الرياء، وذلك
لخفائها عن أهل الغفلات، فأهل الغفلة في غفلتهم لا يلتفتون
لمن يطيع الله ولا غيره، ومعلوم أنه كلما كان العمل أخفى
وأبعد عن عيون الناس، كلما كان أحب إلى الله وأدعى إلى
الإخلاص، وفضل عمل السر على عمل العلن كفضل صدقة
السر على صدقة العلانية. وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله
في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه]، [ورجل ذكر الله خاليا
ففاضت عيناه].
ثم إن الطاعة وقت الغفلة سبب لدفع البلاء، فإن الله يدفع بأهل
الطاعة عن أهل المعصية، وبأهل اليقظة عن أهل الغفلة،

فيمنع وقوع البلاء العام.. وقد قال بعض السلف: ذاكر الله في
الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله
في غفلة الناس لهلك الناس.
عرض الأعمال:
وفي شعبان ترفع الأعمال إلى الله، وهذا هو الرفع السنوي كما
أنها ترفع رفعا أسبوعيا في كل اثنين وخميس، فأحب رسول
الله أن يكون وقت رفع عمله في طاعة لله.
وهذه دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته لإتقان
العمل في هذا الشهر.. فإذا كانت أعمالنا ترفع على الله في هذا
الشهر وتعرض عليه لزمنا:
ـ أن نكثر من الطاعات والعبادات.. ونترك المعاصي
والسيئات؛ حتى لا يرفع لنا إلى الله إلا ما يحب.
. أن نخلص في أعمالنا ونتقنها ونخلصها من كل شائبة تعيبها
وتمنع من قبولها؛ لأن الناقد بصير.
. أن نلزم الطاعات ونداوم عليها؛ لعل الله يرانا على ما يحب
فيقبل عملنا ويغفر زللنا.
. أن نكثر الدعاء إلى الله والتضرع إليه ليتقبل منا ويعفو عنا.
عرض القلوب:
وإذا كانت الأعمال تعرض على الله في شعبان، فإن لشعبان
مزية أخرى وفضلا آخر اختصه الله به، وهو أن قلوب العباد
تعرض على ربها في ليلة النصف من هذا الشهر، فيتفضل
على كل قلب موحد طاهر من الشرك، وكل قلب نقي خال من
البغضاء والشحناء والحقد بالعفو والمغفرة.

فقد روى الإمام الطبراني وابن حبان وغيرهما عن معاذ بن
جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يطَّلِعُ
اللهُ إلى خَلقِه في ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ فيغفِرُ لجميعِ خَلْقِه إلَّا
لِمُشركٍ أو مُشاحِنٍ](حسنه الألباني).
وفي رواية أخرى: عن أبي ثعلبة الخشني: قال صلى الله عليه
وسلم: [يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر
للمؤمنين، ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى
يدعوه](حسنه الألباني في صحيح الجامع).
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العفو معلقا بطهارة القلب عن
الشرك بكل مظاهره، وبراءته من التعلق بغير إلهه وخالقه
ورازقه. ثم تخلية القلب عن كل ضغينة، وتطهيره عن كل
رذيلة، وتخلصه من كل قطيعة، وحمايته عن كل شحناء،
وصيانته عن كل بغضاء.
فهي دعوة لتوحيد الله سبحانه، والبعد عن الشرك؛ لأن
الشرك أعظم الذنوب، وأقبح العيوب، ولا يقبل الله معه صرفا
ولا عدلا، أي لا فريضة ولا نفلا، {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارٍ}(المائدة:72)
وهي دعوة لتنقية القلب وتطهيره من الغل والحقد والحسد
والشحناء والبغضاء؛ لأن الحقد داء دفين، وحمل ثقيل، يتعب
حامله ويثقل كاهله، فتشقى به نفسه، ويفسد به فكره، وينشغل
له باله، فيكثر همه وغمه؛ فلا يرتاح حتى يؤذي من يحقد
عليه لينفس عن نفسه.

وهي أيضا دعوة للمحبة والتآلف، والمودة والتعاطف، فإن
الأمة تحتاج إلى صفاء النفوس، ونقاء القلوب، وتحلية
الضمائر، وتطهير السرائر أكثر من حاجتها لعبادات مخترعة
لا تنفع صاحبها في قليل ولا كثير.
إنها دعوة لوحدة الصف، ورأب الصدع، ونبذ الضغائن،
ورفع الأحقاد، حتى تعود قلوبنا بيضاء نقية كقلوب أهل الجنة
{ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر
متقابلين}.
وكما أن أهل العلم يرون في كثرة صيام النبي صلى الله عليه
وسلم أنه من باب الاستعداد لرمضان، حتى تتعود النفوس
الصيام وتتمرن عليه، وتجد حلاوة الصيام ولذته، فتدخل
رمضان بقوة ونشاط، لأن شعبان كالمقدمة بين يدي رمضان،
ولذلك استحبوا فيه من الأعمال ما يستحب في رمضان
كقراءة القرآن وكثرة الصدقات ونوافل الصلوات والتعود على
ذكر رب الأرض والسموات.
وكذلك أهل التوفيق ينظرون إلى هذه الدعوة لتصفية القلوب
نظرة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، وهي أننا مقبلون على
رمضان فنحتاج أن نقبل عليه بقلوب جديدة مستعدة للعبادة
مقبلة على الطاعة، غير متفرغة لسفاسف الأمور من ضغائن
وأحقاد، فمثل هذه القلوب المريضة لا تنتفع برمضان في
الغالب. وإنما ينتفع برمضان قلب لا يجدُ لأحد من المسلمين
غِشًّا ولا حقدا، ولا يحسدُ أحداً على خير أعطاه الله إياه، فهذه
القلوب الموفقة الصالحة للقرب والتعبد والتأله والعتق من
النار.

من قصص الصحابة

مطلق الايثار والاخوة الصادقة

في قلب المدينة المنورة الفتية، حيث كانت رياح الهجرة لا
تزال تعبق بأريج الإيمان والأخوة، وقف رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوماً بين أصحابه المهاجرين والأنصار، فآخى
بينهم. وكانت من تلك المواخاة المؤمنة مأثرة خالدة، جمعت
بين التاجر المهاجر عبد الرحمن بن عوف، والأنصاري
الكريم سعد بن الربيع.
توجّه سعد بن الربيع إلى أخيه الجديد بقلب أنصاري سخيّ،
وقال له: “يا أخي، أنا أكثر الأنصار مالاً، فانظر شطر مالي
فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها
لك”. وكان في هذا العرض ذروة الجود وحقيقة الإيثار. لكن
عبد الرحمن بن عوف، بفطنة التاجر وورع المؤمن، رفع يده
مردداً الدعاء لأخيه: “بارك الله لك في مالك وأهلك”. ثم سأل
ببساطة: “دلوني على السوق”. فدلوه على سوق بني قينقاع،
فانطلق إليها لا يحمل سوى إيمانه وهمته، فاشترى وباع
وربح. وما هي إلا فترة حتى عاد وقد أثرى، وتزوج، وظهر
على أنفه أثر الزعفران من فرحة العرس، ليكون نموذجاً
للمسلم المجد الذي لا يتكل، بل يبني مجده بيده، ثم يتصدق

بماله بعد ذلك في سبيل الله، حتى قيل إنه تصدق بشطر ماله
أربعة آلاف، ثم بأربعين ألفاً، ثم بأربعين ألفاً بعدها.
وفي بستان من بساتين المدينة، كانت شجرة نخيل وحيدة
تسبب أمراً عجيباً. فقد أراد غلام يتيم أن يبني سوراً حول
بستانه، فاعترضت طريق السور نخلةٌ لجاره الأنصاري.
شكى اليتيم أمره للنبي صلى الله عليه وسلم، فتدخل رسول
الرحمة حلاً. طلب من صاحب النخلة أن يتنازل عنها للغلام
فرفض، عرض عليه أن يأخذها النبي له مقابل وعد بالجنة
فرفض، وكلما زادت العروض زاد الرجل تمسكاً بنخله. وكان
أبو الدحداح الجالس القريب يسمع ويرى. فلم يطق قلبه الكبير
أن يضيع ذلك الأجر العظيم. فنهض وقال للرجل: “ألك بستان
فيه ستمائة نخلة، وأنا أضمن لك دخول الجنة، إن أعطيتني
نخلتك هذه؟” فلما وافق الرجل، سارع أبو الدحداح إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وهو يقول: “يا رسول الله، لي النخلة،
وله الجنة؟” فأكد له النبي ذلك. فما كان من أبي الدحداح إلا
أن نادى زوجته قائلاً: “يا أم الدحداح، اخرجي من البستان فقد
بعته بنخلة في الجنة”. فخرجت هي وأبناؤها، ووهب البستان
كله للرجل ليأخذ نخلته ويوفي بعهده. وهكذا ضرب المثل في
التضحية بالدنيا الفانية للفوز بالدار الباقية.
هاتان القصتان تختزلان روح ذلك الجيل الفريد: جيل الإيثار
كما في قصة المؤاخاة، والتضحية كما في قصة النخلة، مع
الجد والعمل الذي لا يعرف الكسل. لقد فهموا أن الإيمان ليس
بالتمني، بل بالعطاء والعمل والبناء، فساروا على الدرب،
وتركوا لنا خلفهم نوراً نهتدي به.

Related posts

في دورتها الرابعة : التونسي يامن المنّاعي يفوز بجائزة أورنج للكتاب في القارة الافريقية عن رواية “الهاوية الجميلة”

root

الطبوبي : لا صحة لما يروج حول مخطط اغلاق مقرات الاتحاد

root

قيس سعيد يستقبل ضيوف قمة ”تيكاد 8” بقصر المؤتمرات

Ghada Trabelsi

Leave a review