شهدت السياحة الداخلية بالمناطق الداخلية لولاية قابس خلال سنة 2025، انتعاشة على مستوى العائدات المالية وعدد السياح الوافدين على الجهة حسب المعطيات التي أعلنتها المندوبية الجهوية للسياحة بالجهة. مما يطرح جملة من التساؤلات عن الصعوبات التي تعاني من الولاية والتي جعلتها حبيسة المجمع الكيميائي في ظل مطالبة ناشطين بالمجتمع المدني، بضرورة فتح ملف التنمية و واقع مختلف الأنشطة الإقتصادية الأخرى.
تبلغ مساحة ولاية قابس 7166 كلم مربّع ويناهز عدد سكانها حوالي 400 ألف نسمة وتقع بالساحل الشرقي للبلاد التونسية وتتميز بموقع جغرافي هام باعتبارها هزة الوصل بين الجنوب والوسط التونسي. ورغم أهميتها التاريخية ومواردها الطبيعية وثرواتها الباطنية وتنوع تضاريسها إلا أنّ الجهة بقيت سجينة الأنشطة الكيميائية المتمثلة في تحويل وتصنيع الفسفاط المتمركزة بالمجمع الكيميائي بقابس.
قابس حبيسة المجمع الكيميائي
وزارة الاقتصاد والتخطيط سبق لها التوقيع على اتفاقية بين شركة فسفاط قفصة والمؤسسة المالية الدولية التابعة لمجموعة البنك العالمي وذلك لتمويل دراسة بقيمة تناهز 07 مليون دينار في شكل هبة تخص إنجاز مشروع مندمج للنقل الهيدروليكي للفسفاط التجاري من الحوض المنجمي بقفصة إلى معامل المجمع الكيميائي التونسي بقابس والصخيرة. ويهدف إنجاز المشروع موضوع الاتفاقية التي وقعها كل من الرئيس المدير العام لشركة فسفاط قفصة والممثل المقيم للمؤسسة المالية الدولية بتونس، بحضور رئيسة ديوان وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، ورئيس هيئة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى تأمين تزويد معامل المجمع الكيميائي بالفسفاط التجاري بشكل منتظم إلى جانب تزويد المغاسل المنتجة حاليا والمبرمج إنجازها مستقبلا بالمياه الصناعية دون المساس بالمدخرات المائية بالجهة.ويتكون المشروع المذكور من خط أنابيب ومنشآت نقل هيدروليكي للفسفاط من منطقة التجميع بالمتلوي نحو معامل المجمع الكيميائي بقابس والصخيرة بطاقة تناهز 10 مليون طن سنويا. وأكد وزير الاقتصاد والتخطيط بالمناسبة على أهمية هذا المشروع على مستوى المردودية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وذلك باعتبار إمكانية الضغط على كلفة نقل الفسفاط في ظل ارتفاع سعر المحروقات إضافة إلى الحد من التلوث البيئي والمحافظة على مخزون المائدة المائية بالجهة، مع استعمال الطاقات المتجددة لتشغيل المنشآت ذات العلاقة، فضلا على تنويع القاعدة الاقتصادية بالجهة من خلال خلق فرص جديدة لبعث مشاريع فلاحية تساعد على دفع التشغيل والتمكين الاقتصادي. غير أن مواصلة السياسة الإقتصادية للحكومات المتعاقبة التعويل على المجمع الكيميائي بقابس كأحد المشاريع التنموية بالجهة من حيث خلق مواطن شغل، قد خلّف ردود فعل سلبية من طرف مكوّنات المجتمع المدني بالجهة. وانتقد ناشطون سياسيون بقابس التأثيرات السلبية التي تخلفها الأنشطة الكيميائي على صحة الأهالي والوضع البيئي إضافة لانتشار عدة أمراض في صفوف المتساكنين جراء تلوّث الهواء جراء الغازات السامّة المنبعثة من المجمع الكيميائي. ويطالب خبراء في الإقتصاد بضرورة البحث عن حلول جذرية لنقل الأنشطة الكيميائية بقابس من مركز المدينة إلى مواقع خارج مناطق العمران. و وضع استراتجية جديدة للنهوض بالواقع الإقتصادي بقابس بتنويع الخيارات والأنشطة الإقتصادية والتركيز على بقية القطاعات على غرار الفلاحية والسياحة وقطب صناعي.
قطب سياحي : بين الشواطئ الرملية و حمامات الحامة
تملك ولاية قابس عدة دعائم تجعلها تنتهج سياسية إقتصادية تعتمد على خلق قطب سياحي بامتياز. حيث تمتد سواحل الولاية على أكثر من 8 كلمتر مما يسمح بتطوير السياحة الشاطئية خاصة وأنها تملك مشاهد طبيعية استثنائية تسيطر عليها واحات النخيل والمياه الجوفية. وتعتبر الحمامات الإستشفائية بمدينة الحامة الأكثر جمالية حيث تستقطب عددا كبيرا من المواطنين الباحثين عن العلاج الطبيعي والذين يتوافدون على الحامة من مختلف أنحاء البلاد وعلى امتداد أشهر السنة. إذ تعرف الحامة منذ القدم بمياهها الطبيعية العذبة التي تنبع ساخنة من باطن الأرض فيكون فيها لبعض المرضى شفاء واسترخاء وسياحة . محطات العلاج الطبيعي التي لا يزورها التونسيون فحسب، بل يرتادها أيضا أجانب من أنحاء العالم للاستشفاء وللاستمتاع بمياهها العذبة. ففي هذه المدينة، تنتشر مجموعة كبيرة من عيون المياه الطبيعية، تتراوح درجة حرارتها بين 38 و42 درجة مئوية (هي الأقرب لدرجة حرارة الإنسان)، وتعتبر من أجود المياه الجوفية الساخنة في العالم ويقول مختصون إن مياه الحامة الحارة تجري على مادة الكبريت، وهو ما يفسر خروجها ساخنة تحمل فوائد طبية متعددة. وتنتشر في مدينة الحامة حوالي 20 حماما، وهي محطات استشفائية للعلاج الطبيعي، تتوزع على كامل مساحة المدينة. ويمتد الحمام الواحد على مساحة كبيرة ويضمّ غرف استحمام عمومية وخاصة، وأخرى عائلية وكانت مياه تلك الحمامات منذ القدم علاجا لمرض الجذام، وهو مرض خطير كان منتشرا بشكل كبير في الماضي. وتعالج أمراض البرد والروماتيزم، وتصلّب العضلات، وإلتهاب المفاصل، والأمراض الجلدية المختلفة. كما تعالج مياه الحامة العديد من الأمراض الباطنية، مثل إزالة القبض (المغص) المزمن والسعال، والإنفلونزا والجيوب الأنفية وآلام الحلق، وتصلب والشرايين، وعدم قيام بعض أعضاء الجسم بوظيفتها والقرح. وعادة ما يكون ثمن ارتياد هذه الحمامات زهيدا، لذلك تشهد إقبالا مكثفا، خاصة في الشتاء والربيع، ولاسيما بين شهري ديسمبر ومارس.
السياحية الثقافية : مطماطة المدينة البربرية
تضم ولاية قابس عدة مناطق أثرية ضاربة في القدم يمكن استغلالها في الترويج للسياحة الثقافية بالجهة. أهمها قرية مطماطة البربرية ، كما تستأثر بقايا معارك جيوش دول الحلفاء ودول المحور خلال الحرب العالمية الثانية بجهة مارث باهتمام المؤرخين والباحثين في التاريخ خاصة من الأوربيين وهو ما يسمى ” بخط مارث ” الذي شهد هزيمة آخر الجيوش الألمانية بقيادة الجنرال الألماني ” رومل ” أمام الجيوش البريطانية والفرنسية مارس 1943. كما تعتبر قرية مطماطة القديمة أحد أبرز الآثار الضاربة في عمق التاريخ البربري في البلاد التونسية. حيث حافظت على مكونات مساكن السكان الأصليين لشمال إفريقيا من القبائل البربرية. مطماطة التي تبعد حوالي 78 كلم جنوب غرب قابس، صارت بيوت الأمازيغ بها اليوم مزارا للسياح يقصدونها من تونس ومن كل أنحاء العالم، فتستهويهم هندستها وجدرانها الترابية وأبوابها القديمة. ومازالت تلك البيوت محافظة على الطراز التي أنشئت به، لقد حفر سكانها بيوتهم في باطن الأرض وفي الجبال، كي لا يراهم أعداؤهم، وحتى يتأقلموا مع المناخ، فباطن هذه الحفر رطب في الصيف ودافيء في الشتاء. ولا تفرض العائلات، التي تفتح أبوابها أمام السياح، أي مقابل مالي، إذ بإمكان السائح التجول وسط البيت والخروج دون دفع أي مقابل مادي. ويبلغ عدد سكان مطماطة حوالي 3 آلاف نسمة، ويزور المدينة حوالي ألف سائح أسبوعيا تقريبا. وحسب الإحصائيات المتوفرة، يوجد في مطماطة 80 بيتا محفورا (منحوتا) داخل الصخور والجبال. غير أن عدد المنازل المستغلة سياحيا ومفتوحة أمام الزائرين لا يتجاوز عددهم 20 منزلا باعتبار أن صيانة المنزل مكلفة كثيرا. المنازل المحفورة في كهوف وفي باطن الأرض تمثل شاهدا تاريخيا عن أحداث وأساطير الماضي وحياة القبائل التونسية القديمة.
