[wpadcenter_ad id=78362 align='none']

الافتتاحية / رقمنة الادارة بين ضرورات العصر ومخاوف المعطيات الشخصية

ان الحديث عن رقمنة الادارة في بلادنا هو مسار يفرضه تطور المجتمع وتغير طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. فمع تسارع التحولات الاقتصادية وتنامي الحاجة الى خدمات عمومية سريعة وشفافة، برزت الرقمنة كاحد الحلول التي يمكن ان تعيد تنظيم الادارة وتخفف من تعقيدات المسالك التقليدية.

غير ان هذا التوجه الذي يحظى بقدر واسع من القبول، لا يخلو في المقابل من اسئلة مشروعة تتعلق بحدود استعمال المعطيات الشخصية وبالضمانات الضرورية لحماية الحياة الخاصة للمواطنين، و لذلك تبدو رقمنة الادارة مسارا يحمل في طياته فرصا حقيقية للتطوير، لكنه في الوقت ذاته يفرض يقظة قانونية ومؤسساتية حتى لا تتحول التكنولوجيا الى مصدر جديد للمخاطر.

فالتحول الرقمي، مهما كانت اهميته، يظل عملية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات التقنية والقانونية والاقتصادية، وهو ما يفرض التعامل معه بمنطق التوازن بين متطلبات النجاعة الادارية وضرورات حماية الحقوق الفردية.

و لا يمكن فهم توجه الدولة نحو رقمنة الخدمات الادارية دون العودة الى التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الاخيرة، فقد كشفت جائحة كوفيد 19 عن هشاشة عدد من النماذج الادارية التقليدية التي تقوم اساسا على الحضور المباشر وعلى المعاملات الورقية.

وخلال تلك الفترة وجدت العديد من الادارات نفسها امام صعوبات كبيرة في ضمان استمرارية الخدمات، الامر الذي دفع الى تسريع التفكير في اعتماد الوسائل الرقمية كحل يسمح بتقليص الاحتكاك المباشر وتسهيل النفاذ الى الخدمات عن بعد.

ومن هذا المنطلق برزت الرقمنة كاداة يمكن ان تساهم في تبسيط الاجراءات وتقليص الاجال الادارية وتحسين العلاقة بين المواطن والادارة. كما ان اعتماد المنصات الرقمية يتيح نظريا قدرا اكبر من الشفافية في المعاملات، وهو ما يعتبره البعض خطوة مهمة في اتجاه الحد من بعض الممارسات المرتبطة بالفساد او تضارب المصالح.

كما ان الرقمنة قد تفتح افاقا اوسع امام الاستثمار، باعتبار ان تبسيط المسالك الادارية وتقليص البيروقراطية يمثلان عنصرا مهما في تحسين مناخ الاعمال. فالمستثمر يبحث عادة عن منظومة ادارية واضحة وسريعة، وهو ما يمكن ان توفره الادارة الرقمية اذا ما تم تنفيذها بطريقة ناجعة.

ومن المهم الملاحظة ان هذه المكاسب المحتملة لا تعني ان الرقمنة تمثل حلا سحريا لكل مشاكل الادارة. فنجاحها يبقى مرتبطا بجملة من الشروط من بينها توفر البنية التحتية الرقمية، وتكوين الاطارات والاعوان، وضمان قدرة المواطنين على النفاذ الى الخدمات الرقمية دون اقصاء اجتماعي او جغرافي.

ضمن هذا التوجه العام نحو تحديث الادارة، برزت تجربة وزارة املاك الدولة والشؤون العقارية ومن خلالها الديوان الوطني للملكية العقارية كاحد الامثلة التي تسعى الى ادخال الرقمنة في مجال التصرف في الشان العقاري.

فالقطاع العقاري يعد من المجالات الحساسة نظرا لارتباطه المباشر بحق الملكية وبالاستثمار وبالتنمية الاقتصادية. ولذلك يمثل تحديث اليات العمل داخله خطوة مهمة في اتجاه تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والمؤسسات.

وقد عملت الوزارة على جرد عدد من الاجراءات الادارية التي تؤمنها لفائدة المتعاملين معها، مع تحديد قائمة من الخدمات التي ستشملها عملية الرقمنة. ويهدف هذا المسار الى تحسين الاداء الاداري وتقليص الاجال وتسهيل النفاذ الى المعلومات العقارية.

كما تم اطلاق جملة من الخدمات الرقمية التي تمكن المتعاملين من الاطلاع على بعض المعطيات او تقديم مطالبهم عن بعد، في محاولة لتجاوز القيود المرتبطة بالحضور المادي في المكاتب الادارية.

ويضاف الى ذلك السعي الى تطوير الترابط البيني بين عدد من المؤسسات العمومية حتى يتم تبادل المعطيات بطريقة اسرع. فالمعاملات العقارية غالبا ما تتطلب تدخلا من عدة هياكل ادارية، وهو ما يجعل التنسيق بينها عاملا حاسما في تسريع الاجراءات.

و اذا كانت الرقمنة تفتح افاقا مهمة لتحديث الادارة، فانها تطرح في المقابل تحديات حقيقية تتعلق بحماية المعطيات الشخصية. فكل خدمة رقمية تقوم في النهاية على جمع قدر معين من البيانات المتعلقة بالمواطنين او بالمؤسسات.

وهنا يبرز السؤال الاساسي المتعلق بكيفية ضمان استعمال هذه المعطيات في حدود ما يفرضه القانون دون المساس بالحياة الخاصة للافراد. فالمعطيات الشخصية قد تشمل معلومات حساسة تتعلق بالهوية او بالوضعية الاجتماعية او بالممتلكات، وهو ما يجعل حمايتها مسالة اساسية في اي مشروع رقمي.

ويرى مختصون ان التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق الفعلي لهذه القواعد، خاصة في ظل التطور السريع للتكنولوجيا وازدياد المخاطر المرتبطة بالهجمات السيبرنية او بتسريب البيانات.

ومن هنا تبرز الحاجة الى تعزيز ثقافة حماية المعطيات داخل الادارة نفسها، من خلال تكوين الاعوان واعتماد معايير تقنية صارمة لحماية قواعد البيانات. فالثقة في الخدمات الرقمية لا يمكن ان تتحقق اذا شعر المواطن ان معطياته قد تكون عرضة للاستعمال غير المشروع.

في نهاية المطاف تبدو رقمنة الادارة في تونس مسارا ضروريا تفرضه تحولات العصر، لكنها في الوقت ذاته مشروع يحتاج الى قدر كبير من الحذر والتوازن. فالتكنولوجيا قد توفر ادوات فعالة لتطوير الادارة وتحسين خدماتها، لكنها تظل وسيلة يجب ان توضع دائما في خدمة المواطن لا على حساب حقوقه.

Related posts

 لسعد الذوادي: هكذا يمكن اجتثاث المحتكرين وممارسي كل أصناف الجرائم الاقتصادية و الجبائية …

root

افتتاحية / حينما يتحوّل اللعب الى مخاطر

صابر الحرشاني

الافتتاحية:رمضان شهر تهذيب النفوس سلوكا واستهلاكا

صابر الحرشاني