عيد الاضحى القادم…هل يبدأ الاستعداد من الٱن؟


صابر الحرشاني
انقضى عيد الأضحى بكل ما فيه من ضغوط ، لكن النقاش الذي رافقه لم ينته بانتهاء أيام العيد. وكما حدث خلال السنوات الأخيرة، تصدرت أسعار الأضاحي اهتمامات التونسيين، وتحوّل اقتناء الأضحية بالنسبة إلى عدد متزايد من العائلات إلى عبء مالي ثقيل يفرض تضحيات إضافية على ميزانيات أنهكتها أصلا متطلبات الحياة اليومية.
وبين من تمكن من شراء الأضحية بشق الأنفس ومن اضطر إلى العدول عن ذلك بسبب الأسعار، يبرز سؤال يبدو أكثر إلحاحا من أي وقت مضى مفاده هو انه كيف يمكن تفادي تكرار السيناريو نفسه خلال عيد الأضحى المقبل؟
ولعل أول ما يلفت الانتباه أن الإشكال لم يعد مرتبطا بأيام قليلة تسبق العيد، بل أصبح نتيجة مسار يمتد على مدار السنة بأكملها ، فأسعار الأضاحي لا تتشكل في الأسواق الأسبوعية خلال أسابيع العيد فقط، وإنما تتأثر بعوامل متشابكة تبدأ من كلفة الأعلاف وتوفر المياه وحالة المراعي وحجم القطيع الوطني وصولا إلى مسالك التوزيع والبيع للمستهلك النهائي. لذلك فإن الحديث عن عيد الأضحى 2027 لا يبدو مبكرا إذا انطلق منذ الآن، بل قد يكون التوقيت الأنسب لطرح الحلول.

كلفة الإنتاج… الحلقة الأولى في معادلة الأسعار

و تكشف المعطيات الصادرة عن المهنيين والجهات المختصة أن قطاع تربية الماشية واجه خلال السنوات الأخيرة ضغوطا كبيرة نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج، خاصة ما يتعلق بالأعلاف المركبة والشعير والنقل والرعاية البيطرية.
كما ساهمت سنوات الجفاف المتتالية في تقليص المراعي الطبيعية وزيادة اعتماد المربين على الأعلاف المدعمة أو المقتناة من السوق، وهو ما انعكس مباشرة على كلفة تربية الخرفان المعدة للأضاحي.
وتشير تقديرات مهنيين في القطاع إلى أن المربي أصبح مطالبا بضخ استثمارات أكبر للحفاظ على قطيعه مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة. كما أن عددا من صغار المربين اضطروا إلى تقليص نشاطهم أو التخلي عنه نتيجة صعوبات التمويل وارتفاع النفقات، وهو ما ساهم في تقليص العرض المتاح في بعض الفترات.
ولا يقتصر الأمر على بلادنا وحدها، إذ تشهد عدة بلدان في المنطقة ضغوطا مماثلة مرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج الحيواني. وقد دفعت موجات الجفاف المتواصلة في بعض البلدان المغاربية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية الثروة الحيوانية والمحافظة على القطيع الوطني.
ومن هنا يبدو واضحا أن أي معالجة جدية لأسعار الأضاحي في المستقبل لا يمكن أن تقتصر على مراقبة الأسواق في الأيام الأخيرة قبل العيد، بل تستوجب العمل على دعم المربين وتحسين ظروف الإنتاج طوال السنة. فكل تراجع في كلفة التربية ينعكس في نهاية المطاف على السعر الذي يدفعه المستهلك.

الوسطاء ومسالك التوزيع… معركة أخرى لا تقل أهمية

إذا كانت كلفة الإنتاج تمثل جزءا من المشكلة، فإن جزءا آخر يتعلق بمسالك التوزيع، فقد أثار عدد من ممثلي المستهلكين والمهنيين خلال هذا الموسم مسألة الفارق بين السعر الذي يبيع به المربي والسعر الذي يصل إلى المواطن عند الشراء، معتبرين أن تعدد الوسطاء يساهم في رفع الأسعار بصورة لافتة.
ولهذا السبب تم التوجه خلال السنوات الأخيرة إلى تنظيم نقاط بيع مؤطرة وإقرار أسعار مرجعية بحسب الوزن الحي للأضاحي بهدف الحد من المضاربة وتوفير قدر أكبر من الشفافية في المعاملات غير ان التأثير يكون في الغالب محدود.
وما تزال هذه التجربة بحاجة إلى مزيد من التطوير والتوسع حتى تشمل عددا أكبر من الجهات والأسواق. فكلما ازدادت قنوات البيع المباشر وتوفرت المعلومات الدقيقة حول الأسعار والأوزان، تراجعت فرص المضاربة وازدادت قدرة العائلات على اتخاذ قرارات شراء مبنية على معطيات واضحة.
كما أن الرقمنة يمكن أن تلعب دورا مهما في هذا المجال. فإحداث منصات معلوماتية أو قواعد بيانات دورية حول أعداد القطيع والأسعار المرجعية وتطور العرض والطلب قد يساعد على الحد من الإشاعات والتقديرات غير الدقيقة التي تؤثر أحيانا في سلوك السوق وتوقعات المستهلكين.
ويبقى توفير معطيات رسمية محينة حول واقع الثروة الحيوانية أحد المطالب المتكررة من قبل المختصين والمهنيين، باعتبار أن التخطيط السليم يحتاج إلى أرقام دقيقة تسمح بتوقع الحاجيات واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

كيف تستعد العائلات والدولة؟

و بعيدا عن الحلول الظرفية، تبدو الحاجة قائمة إلى رؤية استباقية تشمل مختلف المتدخلين،مطالبة بمواصلة برامج دعم الإنتاج الحيواني وتحسين المراعي وتأمين التزود بالأعلاف ومراقبة مسالك التوزيع، إضافة إلى تشجيع نقاط البيع المنظمة وتكثيف الرقابة الاقتصادية على الأسواق.
وفي المقابل، يمكن للعائلات أيضا اعتماد مقاربة أكثر استباقية في التعامل مع مصاريف العيد، فقد أصبح واضحا أن انتظار الأسابيع الأخيرة يضع الكثير من الأسر أمام ضغوط مالية كبيرة.
أما التخطيط المبكر وتخصيص ادخار دوري ولو بمبالغ محدودة على امتداد السنة، فيمكن أن يخفف جزءا من العبء عند حلول الموسم.
كما أن تغيير بعض العادات الاستهلاكية قد يكون جزءا من الحل، فالمنافسة على أوزان أو سلالات معينة تساهم أحيانا في دفع الأسعار نحو مستويات أعلى، في حين أن المقصد الأساسي للشعيرة لا يرتبط بالمظاهر أو بالمقارنات الاجتماعية بقدر ما يرتبط بالقدرة والاستطاعة.
ومن جهة أخرى، يظل دعم المربي الخيار الأكثر استدامة على المدى الطويل. فكل استثمار في تنمية الثروة الحيوانية وتحسين مردودية القطاع من شأنه أن ينعكس إيجابا على الأمن الغذائي وعلى استقرار الأسعار خلال المواسم المقبلة.
لقد أظهر عيد الأضحى لهذا العام كما العام الملضي أن ملف الأضاحي لم يعد شأنا موسميا عابرا، بل أصبح جزءا من نقاش أوسع يتعلق بالقدرة الشرائية والإنتاج الفلاحي والسياسات الغذائية. ولذلك فإن أفضل وقت للتحضير لعيد الأضحى القادم ليس شهر ماي أو أفريل من السنة المقبلة، بل الأيام والأسابيع التي تلي مباشرة نهاية العيد الحالي.

Related posts

سليانة: انطلاق أشغال إعادة بناء قرية الأطفال س و س

Na Da

وزارة الداخلية: أكثر من 33 ألف أجنبي يقيمون في تونس بصفة قانونية

Rahma Khmissi

تنفيذا لاتفاق بين كونكت الدولية و الوكالة البولونية للاستثمار والتجارة :مفتتح الشهر القادم بعثة اقتصادية تونسية تتحول الى بولونيا