عيد الأضحى .. حين تلتقي الشعيرة بقيم التضامن في زمن الغلاء

مع اقتراب عيد الأضحى المعظم، تستعيد مختلف ربوع بلادنا ملامح موسم تتداخل فيه الأبعاد الدينية والاجتماعية والاقتصادية.

 و علاوة على كونه مناسبة دينية مرتبطة بشعيرة الأضحية، يعد العيد بما يحمله من قيم و معان لحظة جامعة تعيد إحياء قيم التكافل وصلة الرحم والفرح الجماعي، رغم ما يرافقها من ضغوط معيشية متزايدة تثقل كاهل العائلات.

و يبدو عيد الأضحى هذا العام مختلفا من حيث السياق الاقتصادي، إذ يتزامن مه ارتفاع ملحوظ في أسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية، فبين من يتمسك بإحياء الشعيرة مهما كانت التكاليف، ومن يجد نفسه عاجزا عن مجاراة الأسعار، تتجدد الأسئلة حول معنى العيد الحقيقي، وحدود التوازن بين البعد الديني والواقع الاقتصادي.

ذاكرة جماعية وقيم اجتماعية

وما من شك في ان عيد الأضحى يحمل في ما يحمل في المخيال التونسي العديد من الدلالات تتجاوز الطابع الطقوسي، فهو مناسبة ترتبط بالأسرة والدفء الاجتماعي واستعادة الروابط العائلية، فمنذ أيام تسبق العيد، تنشط الأسواق الأسبوعية وتزدحم نقاط بيع الأضاحي، فيما تتحول الأحياء الشعبية والقرى إلى فضاءات حية تعج بالحركة والاستعدادات.

وكذلك في العائلات، لا تزال تفاصيل العيد تحافظ على جانب من خصوصيتها، بداية من اقتناء الأضحية، مرورا بتحضير مستلزمات الطبخ التقليدي، وصولا إلى طقوس الزيارة وتبادل الأطباق بين الجيران والأقارب، حيث تبرز هنا قيمة التضامن الاجتماعي التي تشكل إحدى أهم رسائل العيد، حيث تتوسع المبادرات الخيرية والجمعياتية لتشمل توزيع اللحوم ومساعدة العائلات محدودة الدخل.

كما يعكس العيد لدى التونسيين معنى التضحية والصبر والتقاسم، وهي قيم تستمد جذورها من القصة الدينية المرتبطة بالنبي إبراهيم عليه السلام، و لذلك يظل العيد، رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، مناسبة لتجديد الروابط الإنسانية والتخفيف من منطق الفردانية الذي فرضته الأزمات المتتالية.

غير أن هذه القيم تواجه اليوم تحديات فعلية فرضها الواقع الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد الشعور بالعجز لدى فئات واسعة من المجتمع، وهو ما جعل بعض العائلات تنظر إلى العيد من زاوية القلق المالي أكثر من كونه موسما للفرح.

غلاء الأضاحي.. ضغط اقتصادي يربك العائلات

و تشير المعطيات المتداولة في بلادنا هذا الموسم إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأضاحي، حيث تراوحت الأسعار بين 800 و2500 دينار، فيما تجاوزت بعض الأضاحي سقف 2500 دينار، خاصة بالنسبة للخرفان ذات الوزن الكبير، كما أعلنت الهياكل المهنية عن أسعار مرجعية في نقاط البيع المنظمة تتراوح بين 23 و27 دينارا للكلغ الحي وفق الوزن.

ويرجع المهنيون هذا الارتفاع إلى جملة من العوامل المتشابكة، من بينها تراجع القطيع الوطني بسبب سنوات الجفاف المتتالية، وارتفاع أسعار الأعلاف والنقل، إلى جانب كلفة التربية والرعاية البيطرية. كما ساهمت المضاربة والوساطة العشوائية في زيادة الضغط على الأسعار، ما جعل اقتناء الأضحية يتحول بالنسبة إلى عديد الأسر إلى عبء مالي ثقيل.

وتكشف الأحاديث اليومية في الأسواق ومواقع التواصل الاجتماعي حجم التوتر الذي يرافق الموسم، إذ بات كثير من التونسيين يقارنون بين دخلهم الشهري وكلفة الأضحية، في ظل مصاريف أخرى لا تقل ثقلا مثل الكراء والدراسة والفواتير. وأمام هذا الوضع، ظهرت سلوكيات جديدة، من بينها الاشتراك الجماعي في الأضحية أو اللجوء شراء اللحوم.

ولا يقتصر تأثير الغلاء على المستهلك ، بل يشمل أيضا المربين الصغار الذين يشتكون بدورهم من ارتفاع كلفة الإنتاج وضعف هامش الربح، فالكثير منهم يجد نفسه بين مطرقة الأعلاف المرتفعة وسندان ضعف الإقبال، ما يكشف هشاشة المنظومة الفلاحية المرتبطة بتربية الماشية في تونس.

بين الشعيرة والواقع.. أي معنى للعيد اليوم؟

وامام هذا المشهد، يطرح عيد الأضحى أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة بين الشعائر الدينية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، فبينما يتمسك اغلب التونسيين بضرورة المحافظة على الأضحية مهما كانت التكاليف، يرى آخرون أن جوهر العيد لا يختزل في المظاهر أو في حجم الإنفاق، بل في القيم الإنسانية التي يحملها.

وقد أعادت موجة الغلاء النقاش حول مفهوم الاستطاعة في أداء الشعيرة، خاصة أن الدين الإسلامي يقوم على مبدأ رفع الحرج وعدم تحميل الإنسان ما لا يطيق و لذلك يذهب عدد من المختصين في الشأن الديني والاجتماعي إلى ضرورة ترسيخ ثقافة الاعتدال وتجنب الضغوط الاجتماعية التي تدفع بعض العائلات إلى الاستدانة أو التضحية بتوازنها المالي فقط من أجل مجاراة المحيط.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تكون فرصة لإعادة اكتشاف المعاني الحقيقية للعيد بعيدا عن الاستهلاك المفرط والمظاهر التنافسية التي تسللت إلى المجتمع خلال السنوات الأخيرة. فالعيد، في جوهره، ليس مناسبة لاستعراض القدرة الشرائية، بقدرة ماهو لحظة للتضامن والتراحم والشعور بمعاناة الآخرين.

كما أفرزت الأزمة مظاهر إيجابية لافتة، من بينها توسع المبادرات التضامنية، سواذ عبر مبادرات فردية وان كانت محدودة جدا لتوفير الأضاحي أو توزيع اللحوم على العائلات المعوزة وهو ما يؤكد أن المجتمع التونسي، رغم الصعوبات، لا يزال يحتفظ بقدر من التماسك الاجتماعي وروح التعاون.

وفي النهاية، يبقى عيد الأضحى مناسبة تختبر قدرة المجتمع على الحفاظ على قيمه وسط التحولات الاقتصادية المتسارعة. 

Related posts

مدنين: الحماية المدنية تنتشل جثة كهل من بئـر

منير الشرفي رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة : حتى يكون للحوار قيمة هذا ما يجب على رئيس الجمهورية فعله ..

root

سيدي بوزيد : الإحتفاظ بزوجة الأب في قضية الطفلة المعنفة

root