حرية التعبير لا تبيح الاساءة الى المقدسات


صابر الحرشاني
لم تكن التدوينة التي نشرتها الجامعية سلوى الشرفي على موقع التواصل الاجتماعي مجرد رأي عابر في قضية تاريخية، بل أثارت موجة واسعة من الاستياء لأن موضوعها تعلق بأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها.
و لا يمكن الانطلاق دون الإشارة الى ان السيدة عائشة كما هي في وجدان المسلمين إحدى أمهات المؤمنين اللواتي منحهن القرآن الكريم مكانة خاصة في وجدان المسلمين، ولذلك فإن انتشار التدوينة حوّل النقاش بسرعة من صفحات التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام والفضاءات العامة، ليس بسبب اختلاف في قراءة واقعة تاريخية، وإنما لأن شريحة واسعة من التونسيين رأت فيها إساءة إلى رمز ديني يحظى بالإجلال والتوقير.
وليس من قبيل المصادفة أن تثير مثل هذه التدوينات كل هذا الغضب، فالمسألة لا تتعلق بشخصية تاريخية يمكن التعامل معها بمنطق الإعجاب أو النقد، وإنما بشخصية ارتبطت بالعقيدة الإسلامية وبنصوص قرآنية وأحاديث نبوية، وأصبحت جزءا من البناء الديني والروحي للأمة الاسلامية ولذلك فإن أي خطاب يمسها لا يظل في حدود صاحبه، بل ينعكس على شعور ملايين المسلمين الذين يرون في احترام أمهات المؤمنين احتراما لدينهم نفسه.
لقد جاءت ردود الفعل من اتجاهات مختلفة، لكنها التقت عند فكرة واحدة مفادها أن الخلاف الفكري لا يبرر المساس بالرموز التي تمثل ركنا من أركان الهوية الدينية للمجتمع فالمجتمعات قد تختلف في السياسة والاقتصاد والثقافة، لكنها تحتفظ دائما بثوابت تعتبرها جزءا من وجودها المعنوي. وفي تونس، كما في سائر البلدان الإسلامية، لا ينظر إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها باعتبارها شخصية من الماضي فحسب، بل باعتبارها رمزا دينيا حاضرا في وجدان الناس وفي ثقافتهم الدينية.
ولذلك فإن اختزال المسألة في مجرد “حرية رأي” يبدو تبسيطا لا يعكس حقيقة ما جرى فالناس لم يغضبوا لأن هناك رأيا مخالفا، وإنما لأنهم شعروا بأن ما كتب تجاوز حدود النقاش إلى الطعن في شخصية يجلها المسلمون ويوقرونها امتثالا لما جاء في القرآن والسنة  وهذا الفارق جوهري، لأنه يميز بين الحوار المشروع وبين الخطاب الذي يستفز مشاعر مجتمع بأكمله، ناهيك أن ما كتب كان بلغة المدونيين و سخريتهم و ليس بقلم الباحث او الأكاديمي.
الحرية لا تلغي المسؤولية
ولا يجادل احد في أن حرية التعبير قيمة أساسية، لكن هذه الحرية لم تكن في أي مجتمع حقا مطلقا بلا قيود، فكل الأنظمة القانونية في العالم تضع ضوابط عندما يتعلق الأمر بالتحريض أو التشهير أو الاعتداء على حقوق الآخرين، ومن غير المنطقي أن يطالب البعض باحترام كل الهويات والخصوصيات الثقافية والدينية، ثم يعتبر احترام مقدسات المسلمين استثناء لا يستحق الحماية.
ومن الثابت ان الحرية التي لا ترافقها المسؤولية تتحول إلى فوضى، والكلمة التي لا تراعي أثرها في المجتمع قد تصبح سببا في نشر الكراهية والانقسام وليس المطلوب أن يتفق الجميع في الرأي، وإنما أن يدرك الجميع أن للكلمة ثمنا، وأن حرية الإنسان تقف عند الحد الذي تبدأ فيه كرامة الآخرين ومعتقداتهم.
ثم إن ما نشر لم يكن بحثا أكاديميا خضع للتحكيم العلمي أو صدر في مجلة علمية متخصصة، وإنما كان تدوينة على منصة تواصل اجتماعي، أي خطابا موجها إلى عموم الناس، يقرأه المختص وغير المختص، المؤمن وغير المؤمن، الكبير والصغير ومن يختار هذا الفضاء للنشر يدرك أن أثر كلماته لن يبقى داخل دائرة النقاش الجامعي، بل سيتحول إلى مادة للتداول الواسع، ومن ثم يصبح مطالبا بقدر أكبر من المسؤولية.
ويكتسب الأمر حساسية إضافية عندما يصدر عن أستاذ جامعي، لأن المجتمع ينظر إلى الأستاذ بوصفه صاحب معرفة، ويمنحه قدرا من الثقة قد لا يمنحه لغيره ولهذا فإن المسؤولية الأخلاقية للمثقف والأكاديمي أكبر من مسؤولية غيره، ليس لأن عليه أن يخفي قناعاته، بل لأن عليه أن يزن كلماته وأن يميز بين النقاش العلمي الرصين وبين الخطاب الذي يثير الاستفزاز دون أن يقدم إضافة معرفية حقيقية.
لقد أصبح من السهل اليوم أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات لإطلاق الأحكام والآراء الحادة، لكن من الصعب احتواء النتائج التي تترتب عنها فالكلمات تنتشر بسرعة، وتصل الى اكبر ما يمكن من الجماهير خلال ساعات، وقد تخلق حالة من الاحتقان لا يحتاجها المجتمع، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس العقيدة والمقدسات.
حماية المقدسات مسؤولية مجتمعية
وليس المطلوب إغلاق باب الاجتهاد أو مصادرة الفكر، وإنما التمييز بين البحث الرصين وبين الخطاب الذي يحول المقدسات إلى مادة للاستفزاز فالحضارات و الامم لم تتقدم بهدم ما يجمع شعوبها، وإنما بتعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل ولا يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على تماسكه إذا أصبح الاستهزاء برموزه الدينية أمرا عاديا تحت عنوان حرية التعبير.
و إن احترام المقدسات لا يعني فرض الوصاية على العقول، بل يعني احترام المشترك الذي يجمع أبناء المجتمع الواحد. فالدول الحديثة نفسها تضع خطوطا حمراء عندما يتعلق الأمر بما يهدد السلم الأهلي أو يثير النعرات والكراهية ومن حق المسلمين، مثل غيرهم من أصحاب الديانات، أن يطالبوا باحترام ما يعدونه مقدسا، تماما كما يطالب الآخرون باحترام معتقداتهم ورموزهم.
وقد كشفت هذه الحادثة عن مفارقة لافتة، إذ يحرص كثيرون على عدم المساس بأي فئة أو أقلية أو معتقد بدعوى احترام الخصوصيات، لكنهم يتعاملون مع مقدسات الأغلبية بمنطق مختلف، وكأن احترامها ليس قيمة تستحق الدفاع عنها. وهذه الازدواجية لا تساعد على ترسيخ ثقافة الحقوق، بل تخلق شعورا بالتمييز وتغذي الإحساس بأن بعض المقدسات تتمتع بالحماية أكثر من غيرها.
إن المجتمع التونسي عرف عبر تاريخه بالتدين الوسطي وبالاعتدال، لكنه لم يعرف يوما القبول بالطعن في رموزه الدينية أو الاستخفاف به. ولم يكن تمسكه بهذه الرموز عائقا أمام الانفتاح أو التعليم أو الحداثة، بل كان جزءا من شخصيته الثقافية التي جمعت بين الأصالة والانفتاح. ولذلك فإن الدفاع عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لا ينبغي أن يقدم باعتباره موقفا ضد حرية التعبير، وإنما باعتباره دفاعا عن حق المجتمع في صون مقدساته واحترام هويته.
ومن المؤكد أن الاختلاف سيظل قائما، وأن النقاش لن يتوقف، لكن ما يحتاجه المجال العام اليوم ليس مزيدا من الاستفزاز، وإنما مزيدا من الحكمة. فالأمم التي تحترم نفسها هي التي تعرف كيف تحمي مقدساتها، وكيف تدير خلافاتها دون أن تسمح بتحويل رموزها المؤسسة إلى مادة للإثارة أو السخرية أو التجريح. أما تحويل كل إساءة إلى عنوان للحرية، فهو طريق لا يقود إلا إلى مزيد من الانقسام وفقدان الثقة بين مكونات المجتمع.

Related posts

الافتتاحية / رقمنة الادارة بين ضرورات العصر ومخاوف المعطيات الشخصية

صابر الحرشاني

الخبير في المناخ حمدي حشاد: البحر لم يعد كما عرفناه.

الافتتاحية / الحرب بين المصالح الاستعمارية والمأزق الاستراتيجي

صابر الحرشاني