تفكيك منظومة الريع.. المعركة تدخل مرحلة جديدة

لم يعد تفكيك منظومة الريع الاقتصادي مرتبطا فقط بملاحقة شبكات الفساد أو كشف مسارات الاستئثار بالثروة، بل أصبح مسارا متدرجا يتوسع من معالجة الملفات إلى إعادة ترتيب القواعد التي تحكم النشاط الاقتصادي، بما يفتح المجال أمام خلق الثروة وتوسيع قاعدة المستفيدين منها.

فالريع، في معناه الاقتصادي، لا يقتصر على الأموال التي يتم الحصول عليها بطرق غير مشروعة، وإنما يشمل أيضا كل وضعية تسمح لفئة محدودة بالاستفادة من امتياز اقتصادي لا يتوفر لغيرها، سواء تعلق الأمر برخص النشاط أو النفاذ إلى السوق أو استغلال الموارد أو الصفقات العمومية أو الامتيازات أو غيرها من المجالات التي يمكن أن تتحول فيها القواعد الاقتصادية إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ.

ومن هذا المنطلق، فإن مسار تفكيك منظومة الريع لا يمكن أن يتم بقرار واحد أو إجراء منفرد، وإنما يحتاج إلى مراحل متتابعة، تبدأ بتفكيك الشبكات التي راكمت مواقع النفوذ، ثم مراجعة القواعد التي سمحت بتكوين تلك المواقع، وصولا إلى بناء منظومة اقتصادية تمنع إنتاج الريع من جديد.

من مكافحة الفساد إلى تحرير الاقتصاد

يبدو أن الاقتصاد لا يمكن أن يتحول إلى اقتصاد منتج إذا ظلت بعض الأنشطة مرتبطة بإجراءات معقدة أو امتيازات محدودة أو شروط تجعل الدخول إليها متاحا لفئة دون أخرى.

لذلك ارتبطت عملية الإصلاح بملفات متعددة، من بينها مراجعة الرخص وكراسات الشروط، وتبسيط إجراءات الاستثمار، وتطوير منظومة المنافسة، وتعزيز الرقمنة، ومراجعة الصفقات العمومية، إلى جانب إحداث آليات جديدة تسمح بتوسيع قاعدة المبادرة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يتنزل التوجه نحو مراجعة منظومة الاستثمار وتبسيط مسار المستثمر، بما في ذلك تطوير الشباك الموحد ورقمنة الإجراءات، باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تقلص الحواجز أمام المستثمرين وتحد من التعقيدات الإدارية التي قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر امتياز لمن يملك القدرة على تجاوزها.

فالغاية ليست فقط جذب استثمارات جديدة، وإنما جعل النفاذ إلى الاستثمار أكثر وضوحا وتكافؤا، بحيث تصبح القاعدة القانونية والإجراء الإداري هما المحدد الأساسي وليس العلاقات أو النفوذ.

التراخيص.. تفكيك الأبواب المغلقة

ظل نظام الرخص وكراسات الشروط أحد أبرز الأبواب التي ارتبطت تاريخيا بمسألة الريع.

وعندما يكون نشاط اقتصادي ما خاضعا لترخيص محدود أو لشروط صعبة لا تتناسب مع طبيعة النشاط، فإن عدد الفاعلين القادرين على دخوله ينخفض بالضرورة، وهو ما قد يؤدي إلى تضييق المنافسة وارتفاع كلفة النفاذ إلى السوق.

ولهذا فإن مراجعة الرخص لا تعني إلغاء التنظيم الاقتصادي أو التخلي عن الرقابة، وإنما تعني التمييز بين ما تحتاجه الدولة لحماية المستهلك والاقتصاد والصحة والبيئة، وما يمكن أن يتحول إلى حاجز غير ضروري أمام المبادرة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها الطرف الأكثر حاجة إلى سوق مفتوحة وإجراءات واضحة، والأقل قدرة على تحمل كلفة التعقيدات الإدارية وطول آجال الانتظار.

ومن هنا تصبح إزالة الرخص غير الضرورية وتبسيط الإجراءات جزءا من معركة أوسع عنوانها تحرير المبادرة الاقتصادية.

وتشكل الصفقات العمومية واحدة من أهم ساحات المنافسة الاقتصادية، بالنظر إلى حجم الطلب الذي تمثله الدولة والمؤسسات العمومية.

وفي هذا الإطار، أصبح إصلاح منظومة الصفقات العمومية من الملفات المطروحة بقوة، حيث تم خلال نوفمبر 2025 عقد مجلس وزاري خصص لمراجعتها، مع التأكيد على مبادئ المنافسة وحرية المشاركة والمساواة وتكافؤ الفرص وشفافية الإجراءات ونزاهتها. كما تواصل خلال 2026 العمل على إعداد نصوص جديدة لتنظيم هذا المجال وتبسيط الإجراءات وتعزيز الرقابة.

وهذا المسار مهم في عملية تفكيك الريع لأن الطلب العمومي يمثل سوقا واسعة، وكلما اتسعت دائرة المؤسسات القادرة على المشاركة في الصفقات، اتسعت معها دائرة خلق الثروة وفرص العمل.

كما أن تطوير منظومة الشراء العمومي على الخط يمثل عاملا إضافيا في هذا الاتجاه، إذ تتيح منصة TUNEPS نشر طلبات العروض والمخططات والنتائج، بما يعزز وضوح المعلومة الاقتصادية أمام المتعاملين. وتواصل خلال 2026 العمل على صيانة وتطوير المنظومة الرقمية للشراءات العمومية.

ولا يمكن الحديث عن تفكيك الريع من دون الحديث عن المنافسة، فحتى إذا تم إلغاء بعض الرخص أو تبسيط الإجراءات، فإن غياب المنافسة الفعلية يمكن أن يسمح بظهور أشكال أخرى من الاستئثار بالسوق.

ولهذا تتجه الإصلاحات إلى تعزيز دور آليات المنافسة ومراقبة الممارسات التي يمكن أن تؤدي إلى الحد منها، سواء تعلق الأمر بالاتفاقات بين المؤسسات أو استغلال وضعيات مهيمنة أو عمليات التركيز الاقتصادي.

وتظهر أهمية هذا الجانب في مختلف القطاعات، لأن الاقتصاد المنتج يحتاج إلى تعدد الفاعلين وتكافؤ شروط المنافسة، وليس فقط إلى زيادة عدد المؤسسات.

فكلما كان دخول فاعل جديد إلى السوق ممكنا، أصبح الاحتكار أصعب، وكلما أصبح الاحتكار أصعب تراجعت قدرة الريع على إعادة إنتاج نفسه.

توسيع قاعدة المشاركة

ومن المسارات الجديدة التي دخلت على المشهد الاقتصادي التونسي الشركات الأهلية، باعتبارها آلية تستهدف توسيع قاعدة المشاركة في النشاط الاقتصادي وربط الاستثمار بالمجتمعات المحلية والجهوية.

وقد بلغ عدد الشركات الأهلية المحدثة 255 شركة إلى غاية أوت 2025، من بينها 55 شركة دخلت طور النشاط الفعلي، فيما ارتفع عدد المشاركين فيها من نحو 4000 مشارك في سبتمبر 2024 إلى 16550 مشاركا في أوت 2025. كما أدرج دعم الشركات الأهلية ضمن مخطط التنمية 2026-2030.

وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يفتح المجال أمام شكل مختلف من المبادرة الاقتصادية، يقوم على تجميع الإمكانات المحلية وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية.

كما أن تطور عدد الشركات الأهلية إلى 236 شركة في نوفمبر 2025، مع دخول 60 منها طور النشاط الفعلي، يعكس توسع التجربة تدريجيا.

وتبقى القيمة الأساسية لهذه التجربة مرتبطة بقدرتها على خلق نشاط اقتصادي حقيقي في الجهات، واستغلال الموارد المتاحة محليا، وتحويل المبادرة الجماعية إلى إنتاج وتشغيل.

ولا يقتصر تفكيك الريع على القطاع الخاص أو على علاقة المؤسسات بالسوق، بل يرتبط أيضا بكيفية استغلال الثروات الوطنية.

فالقطاعات المرتبطة بالطاقة والمناجم والفوسفاط والأراضي الدولية وغيرها تمثل جزءا أساسيا من الثروة الوطنية، ولذلك فإن تطويرها يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن حسن الاستغلال وتحقيق العائد الاقتصادي والاجتماعي الأوسع.

وفي قطاع الطاقة، يتزايد الاستثمار في الطاقات المتجددة وإسناد لزمات إنتاج الكهرباء من المحطات الشمسية، وهو ما يفتح مجالا اقتصاديا جديدا في تونس.

وهنا تظهر أهمية أن يكون الانتقال الطاقي نفسه جزءا من خلق الثروة، عبر تطوير الاستثمار والإنتاج المحلي وسلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة، وليس مجرد انتقال من مصدر طاقة إلى آخر.

أما في قطاع الفسفاط، فإن استعادة نسق الإنتاج وتطوير وسائل العمل والاستثمار في التجهيزات تظل من الملفات التي ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل ثروته الطبيعية إلى موارد للنمو والتنمية.

وكل هذه المسارات تحتاج في النهاية إلى قاعدة تشريعية متماسكة. فتفكيك منظومة الريع لا يتحقق فقط بإزالة امتيازات قائمة، بل بمنع إعادة إنتاجها مستقبلا، وهنا تصبح مراجعة القوانين المنظمة للاستثمار والمنافسة والصفقات العمومية والرخص والموارد الطبيعية وغيرها جزءا من عملية واحدة، حتى لا يتم تفكيك باب من أبواب الريع بينما تظل أبواب أخرى مفتوحة أمام إعادة إنتاجه.

وتكمن أهمية التشريع في أنه ينقل الإصلاح من القرارات الظرفية إلى قواعد عامة تستمر مهما تغيرت الظروف والأشخاص.

ومن هذا المنظور، فإن كل نص جديد يوسع المنافسة، ويقلص الحواجز غير الضرورية، ويضمن شفافية أكبر، ويجعل الحصول على المعلومة الاقتصادية متاحا للجميع، يمثل خطوة إضافية في اتجاه اقتصاد أقل اعتمادا على الامتيازات وأكثر ارتباطا بالإنتاج.

من الريع إلى اقتصاد الثروة

المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الريع، وإنما من أجل بناء البديل عنه، فالاقتصاد الذي يخرج من منظومة الامتيازات يحتاج إلى توسيع قاعدة المنتجين، وتشجيع المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتسهيل الاستثمار، وتطوير التمويل، وربط الحوافز بالإنتاج، وفتح الأسواق أمام المنافسة، وتحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة ومواطن شغل.

وهذا ما يجعل تفكيك الريع مسارا اقتصاديا واجتماعيا في الوقت نفسه. فالغاية النهائية ليست تغيير أسماء المستفيدين، وإنما تغيير طريقة توزيع الفرص.

وحين يصبح بإمكان مؤسسة صغيرة أن تدخل سوقا كانت مغلقة، وحين يستطيع المستثمر الوصول إلى المعلومة نفسها التي يصل إليها منافسه، وحين تصبح الصفقة العمومية مفتوحة أمام أكبر عدد ممكن من المتنافسين، وحين تتحول الموارد المحلية إلى مشاريع إنتاجية يستفيد منها سكان الجهات، فإن الاقتصاد يكون قد قطع خطوة حقيقية في اتجاه تفكيك الريع.

لذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بمدى قدرة مختلف الإصلاحات الجارية على الالتقاء في مسار واحد: خلق اقتصاد تكون فيه الثروة نتيجة للإنتاج والمبادرة والمنافسة، لا نتيجة للامتيازات وحدها.

وهذه العملية، بحكم ارتباطها بتشريعات ومؤسسات وقطاعات تراكمت على مدى عقود، ستظل بالضرورة تدريجية. لكنها كلما اتسعت من مكافحة الفساد إلى تحرير المبادرة، ومن مراجعة الرخص إلى تعزيز المنافسة، ومن إصلاح الصفقات العمومية إلى توسيع قاعدة الاستثمار، اقتربت أكثر من تفكيك البنية الاقتصادية التي تجعل الريع قابلا لإعادة إنتاج نفسه.

Related posts

سوسة: حجز كميات كبيرة من “القهوة” و”السكر”

مجلس هيئة الانتخابات يعقد اجتماعا للمصادقة على بعض القرارات

Ra Mzi

سيدي بوزيد: ارتفاع أسعار الأضاحي رغم وفرة العرض

Moufida Chargui