عيد الشجرة.. لمالا تتحول المناسبة إلى مشروع وطني لمواجهة التغيرات المناخية ؟

صابر الحرشاني

تستعد بلادنا يوم الأحد 8 نوفمبر 2026، للاحتفال بالعيد الوطني للشجرة، وهي مناسبة تتجدد فيها الدعوة إلى حماية الغطاء النباتي والمحافظة على الثروة الغابية وتوسيع المساحات الخضراء. غير أن الاحتفال هذه السنة يأتي في ظرف بيئي دقيق، تتزايد فيه تداعيات التغيرات المناخية من ارتفاع درجات الحرارة وتواتر موجات الجفاف إلى الحرائق والتصحر وتراجع الموارد المائية.

ويطرح هذا الوضع سؤالا يتجاوز الطابع الاحتفالي لهذه المناسبة،  ماذا لو تحوّل عيد الشجرة إلى منطلق لمشروع وطني واسع للتشجير، يجعل من غراسة الأشجار سياسة مستمرة لمواجهة المخاطر المناخية وحماية مستقبل البلاد؟

وتعد الشجرة جزء من منظومة بيئية واقتصادية واجتماعية متكاملة. وفي بلد تتفاوت فيه التساقطات من جهة إلى أخرى، وتتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية، يصبح توسيع الغطاء النباتي خيارا استراتيجيا لحماية التربة، والحد من الانجراف، ومقاومة زحف الرمال، وتوفير الظل وتلطيف المناخ المحلي، فضلا عن دور الغابات في احتضان التنوع البيولوجي وتوفير موارد الرزق لعدد كبير من العائلات، خاصة في المناطق الريفية.

تاريخية العيد

وتعود جذور الاحتفال بعيد الشجرة في تونس إلى سنة 1958، أي إلى السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، حين برزت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة المحافظة على الغابات والتشجيع على التشجير باعتبارهما جزءا من بناء الدولة وحماية الثروة الطبيعية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الاحتفال بهذه المناسبة ينتظم في ثاني أحد من شهر نوفمبر من كل سنة، ليكون موعدا وطنيا تتظافر فيه جهود المؤسسات العمومية والبلديات والمدارس والجمعيات والمواطنين لغراسة الأشجار وتنظيم حملات التوعية.

وقد حافظت هذه المناسبة على حضورها في الذاكرة الوطنية، من خلال حملات التشجير والأنشطة التربوية والبيئية التي تنتظم بمختلف الجهات. لكن التحديات التي تواجهها تونس اليوم تجعل من الضروري تطوير مضمون هذا العيد، حتى لا يظل مجرد موعد سنوي لغراسة عدد من الشتلات والتقاط الصور التذكارية، بل يتحول إلى مناسبة لتقييم السياسات البيئية ومتابعة نتائج برامج التشجير ومدى قدرتها على حماية الغابات والمساحات الخضراء.

وتشير المعطيات التي قدمتها الإدارة العامة للغابات إلى أن المساحات الغابية في تونس تناهز 1.2 مليون هكتار، فيما يمثل الغطاء الغابي نحو 8.5 بالمائة من المساحة الجملية للبلاد. كما يرتبط القطاع بمصادر رزق مئات الآلاف من التونسيين، ولا سيما في المناطق التي تمثل فيها الغابات والمراعي جزءا أساسيا من النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وهي أرقام تبرز أهمية هذه الثروة، لكنها تكشف أيضا حجم المسؤولية في المحافظة عليها وتطويرها.

وتواجه الغابات التونسية ضغوطا متزايدة، من بينها الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والحرائق والتوسع العمراني والاستغلال غير المستدام للموارد الطبيعية. وقد أتت الحرائق المسجلة خلال الفترة الممتدة من غرة ماي إلى أواخر جويلية 2026 على نحو 4400 هكتار من المساحات الغابية، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق المعطيات التي أوردتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء. وهي مؤشرات تؤكد أن حماية الغابات لم تعد مسألة بيئية معزولة، بل أصبحت مرتبطة بالأمن المناخي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

الحاجة الى مشروع وطني

وفي ظل هذه التحديات، يمكن أن يمثل عيد الشجرة فرصة لإطلاق مبادرة وطنية كبرى تقوم على تكثيف الغراسات في مختلف الولايات، وفق رؤية علمية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل منطقة وحاجياتها المناخية والبيئية. ويمكن أن يكون الهدف غراسة مليون شجرة على مراحل، لا باعتباره رقما للاستهلاك الإعلامي، بل برنامجا وطنيا مضبوطا بجدول زمني ومؤشرات متابعة، تشارك في تنفيذه الوزارات والبلديات والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات التربوية.

ومن المهم ألا يقتصر هذا المشروع على المناطق الغابية، بل يشمل المدن والأحياء الشعبية والطرقات والمناطق الصناعية والمؤسسات التربوية والجامعية والمستشفيات، إلى جانب المناطق الريفية والمناطق المهددة بالتصحر والانجراف. فالمساحات الخضراء داخل المدن تساهم في التخفيف من آثار الجزر الحرارية، وتوفير الظل وتحسين جودة الحياة، فيما يمكن للأحزمة الخضراء ومصدات الرياح في المناطق الداخلية والجنوبية أن تساهم في حماية الأراضي الفلاحية والتجمعات السكنية من زحف الرمال والرياح.

كما يمكن توجيه جزء مهم من البرنامج إلى إعادة تأهيل المناطق الغابية التي تضررت من الحرائق، مع إعطاء الأولوية للتجدد الطبيعي للغابات كلما سمحت الظروف بذلك، واعتماد الغراسة في المواقع التي تستوجب تدخلا بشريا. وفي هذا السياق، أعلنت تونس عن توجه لإطلاق مشروع «نغرس المستقبل»، الذي يستهدف غراسة 100 ألف شجرة على مساحة تتجاوز 100 هكتار موزعة على مختلف الولايات، مع اختيار أصناف تتلاءم مع خصوصيات الجهات وتأثيرات التغيرات المناخية. وهي مبادرة يمكن أن تشكل خطوة أولى نحو برنامج أشمل وأكثر استمرارية.

ومن الضروري كذلك اعتماد مقاربة مقتصدة للمياه، من خلال اختيار أصناف محلية أو متأقلمة مع المناخ التونسي، وتجنب التوسع في غراسة أنواع تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه في المناطق التي تعاني شحا مائيا. ويمكن الاستفادة من المياه المعالجة وفق الضوابط الصحية والبيئية، ومن تقنيات تجميع مياه الأمطار والري الموضعي، بما يجعل التشجير جزءا من سياسة متكاملة للتصرف المستدام في الموارد المائية.

الشجرة استثمار في المستقبل

إن مواجهة التغيرات المناخية تتطلب الانتقال من المبادرات الموسمية إلى سياسات طويلة المدى، تكون فيها الشجرة عنصرا أساسيا في التخطيط العمراني والفلاحي والبيئي. فكل بلدية مطالبة بإعداد برنامج للتشجير والعناية بالمساحات الخضراء، وكل مؤسسة تربوية وجامعية قادرة على احتضان مشروع بيئي يتابعه التلاميذ والطلبة، كما يمكن للمؤسسات الاقتصادية أن تساهم في تمويل غراسات مستدامة ضمن مسؤوليتها الاجتماعية والبيئية.

ومن المفيد أيضا إحداث سجل وطني رقمي للمشاريع الغابية والغراسات الجديدة، يحدد مواقعها وأنواع الأشجار وأعدادها ونسب بقائها، بما يسمح للمواطنين بمتابعة النتائج ومساءلة الجهات المعنية عن مدى تنفيذ التعهدات. فالمطلوب ليس فقط أن نعرف كم شجرة غرسنا، بل كم شجرة بقيت ونمت وأصبحت قادرة على أداء دورها البيئي.

ومن الثابت انوعيد الشجرة في تونس هو تذكير بأن حماية الطبيعة مسؤولية مشتركة، وأن مواجهة الجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة تبدأ أيضا بخيارات عملية تتراكم نتائجها مع مرور السنوات. وقد يكون أفضل احتفال بهذه المناسبة أن تتحول كل شتلة تغرس يوم الأحد المقبل إلى بداية مشروع مستمر، وأن تصبح الغراسة ثقافة يومية وسلوكا مواطنيا وسياسة عمومية واضحة.

Related posts

مصالح الحرس الديواني تحجز خلال أسبوع كميات هامة من البضائع ومبالغ مالية مهربة بقيمة جملية بلغت 1.6 مليون دينار

Ra Mzi

تعيين عفاف الشاشي الطياري رئيسة لديوان وزيرة الصناعة خلفا لأحلام الباجي السايب

Ra Mzi

اليوم…ارتفاع في درجات الحرارة