دخل مهرجان البحر الأبيض المتوسط، في دورته الخمسين، أيامه الأخيرة، تاركًا وراءه مسيرة غنية بالعروض الفنية والموسيقية والمسرحية التي عبّرت عن حيوية المشهد الثقافي في تونس. المدينة تبدو كأنها مسرح مفتوح، حيث تتناثر أصوات الموسيقى، ويمتزج ضحك الأطفال مع وقع خطوات المسرحيين على خشبة دار الثقافة، ليصبح كل ركن من أركان الكرم مساحة للتجربة الفنية، وكل ساعة تمر تحمل معها لحظة جديدة من الفرح والتفاعل الإنساني.
اليوم الجمعة 29 أوت، سيكون الجمهور على موعد مع سهرة موسيقية مميزة للفنان رؤوف ماهر، الذي سيصعد على ركح الملعب البلدي مصحوبًا بفرقة الكرتون، ليقدّم مجموعة من الأغاني التي سترسم الابتسامة على وجوه الحاضرين. التفاعل بين الفنان والجمهور سيكون نابضًا بالحياة، وجعل السهرة تجربة جماعية بامتياز، حيث سيغني الحضور مع الفنان، وتتمايل الأجساد على إيقاعات الموسيقى، فتمتزج اللحظة بالاحتفال الصادق.
مع السبت 30 أوت، سيأخذ الأطفال دورهم في قلب المهرجان، مع سهرة “الكرتون” التي تجمع ألوان الموسيقى والأنغام المستوحاة من أشهر الرسوم المتحركة. ستكون الضحكات ترتسم على وجوه الصغار، بينما تنخرط العائلات في أجواء مرحة تمزج بين الطفولة والحنين، فتبدو السهرة أكثر من مجرد عرض موسيقي؛ بل رحلة صغيرة في عالم من المرح والخيال.
أما الأحد 31 أوت، فسيكون موعد الختام مع الفنانة آية دغنوج، التي ستختتم الدورة بأمسية موسيقية عربية ساحرة، بصوتها المميز الذي سيمتزج مع التصفيق الحار والابتسامات المشرقة للحضور، لتكتب السهرة الأخيرة خاتمة استثنائية لدورة خمسينية عاشت لحظات من التفاعل الثقافي والانسجام الفني.
البرمجة المسرحية الموازية لم تكن أقل بريقًا، فقد تميّزت دار الثقافة الكرم الغربي بتقديم سلسلة عروض مسرحية متنوعة، جمعت بين المتعة الفكرية والإبداع البصري، إذ تنوعت بين عروض للأطفال مثل “خيال جميل”، التي أدخلت الصغار إلى عالم من الخيال والقصص، وعروض جريئة تناولت قضايا اجتماعية معاصرة، مثل “قرط” التي عالجت موضوع الهجرة بأسلوب مبتكر، إلى جانب أعمال توثيقية مثل “جرانتي العزيزة” التي سردت رحلة تونس من الاستقلال إلى ما بعد ثورة 2011.
نقاط القوة التي ميزت الدورة الخمسين كانت واضحة للعيان: تنوع العروض بين الموسيقى والمسرح والفنون البصرية جعل المهرجان منصة متكاملة للثقافة والفن. الإقبال الجماهيري الكبير، الذي تجسّد في نفاد تذاكر عروض مثل كازو، يؤكد على تعلق الجمهور بالمهرجان وثقته في جودة الفعاليات. البرمجة المسرحية الموازية أضفت عمقًا ثقافيًا وأتاحت تجربة متكاملة لجميع الفئات العمرية، بينما النجاح الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي عزز من حضور المهرجان محليًا ودوليًا. كما تمكن المهرجان من المزج بين العروض الاحتفالية الكبرى والأعمال الفنية الجادة التي تحمل رسائل ثقافية وإنسانية عميقة، ما جعله تجربة متكاملة لكل الحواس.
مع اقتراب الختام، يظل مهرجان البحر الأبيض المتوسط لوحة فنية متكاملة من الموسيقى والفن والمسرح، تجربة جماعية تجمع بين الاحتفال والعمق الثقافي، وتؤكد على مكانته كأحد أهم الأحداث الفنية والثقافية في تونس، تاركًا في ذاكرة الجمهور ذكريات لا تُنسى عن دورة استثنائية خالدة في تاريخ المهرجان.