10 مخاطر تهدّد النظام الدولي …العالم على صفيح ساخن

كشفت العملية العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة
الامريكية في فنزويلا مطلع هذا العام، أن النظام الدولي الذي
يحكم العلاقات بين الدول قد بات مهدّدا فعليا بمخاطر
لتقويضه تضع العالم أكثر من أي وقت مضى على صفيح
ساخن.
وكان التقرير السنوي الذي نشرته مجموعة اوراسيا وهي من
أبرز مراكز التفكير المتخصصة في الجيوسياسة نهاية 2025
قد تطرق بشكل مفصل لأهم المخاطر التي تهدد النظام الدولي
الذي تأسس في اعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي باتت
تؤسس لعالم جديد مختلف من حيث التحالفات وصراعات
الهيمنة.
وترى مجموعة اوراسيا ان سنة 2026 تتضمن الكثير من
المخاطر على النظام الدولي وأنّها ستشكّل الإطار العام
للسياسة الدولية والاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
ولا تقتصر أهمية هذا التقرير على كونه جردا للأزمات
المحتملة، بل لأنه يقدّم قراءة معمّقة لكيفية تداخل السياسة
بالاقتصاد، والأمن بالتكنولوجيا، والدولة بالسوق، في عالم
يتّجه أكثر فأكثر نحو الاضطراب وعدم اليقين.
وتنطلق مجموعة أوراسيا من فرضية أساسية مفادها أنّ العالم
دخل مرحلة تفكك في قواعد النظام الدولي التي حكمته لعقود،
مع تراجع القدرة على إدارة الخلافات داخل الأطر متعددة
الأطراف، وعودة منطق القوة، والحمائية، والسياسات القومية

الضيقة. وفي هذا السياق، تأتي المخاطر العشرة التي حدّدها
التقرير كعناوين كبرى لهذه المرحلة الانتقالية المربكة.
الولايات المتحدة مصدر المخاطر العالمية
ويضع التقرير الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة
في صدارة المخاطر العالمية، منطلقًا من قناعة مفادها أنّ
الأزمة لم تعد ظرفية أو مرتبطة بدورة انتخابية بعينها، بل
أصبحت بنيوية تمسّ أسس النظام السياسي نفسه، معتبرا ان
الاستقطاب الحاد بين التيارات السياسية، وتآكل الثقة في
المؤسسات الدستورية، من الكونغرس إلى القضاء والإعلام،
إلى جانب تصاعد الخطاب الشعبوي، كلها عوامل تُضعف
قدرة واشنطن على اتخاذ قرارات استراتيجية متماسكة
وطويلة المدى.
ويشير التقرير إلى أنّ هذا الانقسام الداخلي يُربك عملية صنع
القرار، ويجعل السياسات عرضة للتبدّل السريع مع تغيّر
موازين القوى داخل السلطة.
ولا تقف تداعيات هذا الوضع عند الحدود الأمريكية، إذ يؤكد
الاستشراف أنّ التجاذبات الداخلية لم تعد شأنا أمريكيا خالصا،
بل تحوّلت إلى عنصر مؤثّر في مجمل التوازنات الدولية،
فالحلفاء باتوا يتعاملون بحذر مع الالتزامات الأمريكية، في
ظل مخاوف من تراجعها أو التخلّي عنها تحت ضغط
الحسابات الداخلية، بينما يرى الخصوم في هذا الانقسام
فرصة لاختبار قوة الردع الأمريكية ومصداقيتها.
كما يلفت التقرير إلى أنّ غياب التوافق الداخلي يحدّ من قدرة
الولايات المتحدة على قيادة مبادرات جماعية أو فرض قواعد

دولية جديدة، ما يساهم في إضعاف النظام العالمي القائم ويفتح
المجال أمام مزيد من الفوضى وتعدد مراكز النفوذ.
الصراع الاستراتيجي بين أمريكا والصين
كما يرى التقرير أنّ التنافس بين الولايات المتحدة والصين
تجاوز منذ فترة طويلة حدود الخلافات التجارية أو السباق
التكنولوجي التقليدي، ليتحوّل إلى صراع استراتيجي شامل
يمسّ جوهر موازين القوة في النظام الدولي. فهذا التنافس لا
يقتصر على الرسوم الجمركية أو قيود التصدير، بل يمتدّ إلى
سلاسل الإمداد العالمية، وأمن الطاقة، والتحكّم في المواد
الأولية الاستراتيجية، إضافة إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة
والذكاء الاصطناعي، باعتبارها أدوات النفوذ في اقتصاد
المستقبل.
ويشير التقرير إلى أنّ كلا الطرفين في سعي محموم إلى
تقليص اعتماده على الآخر، وبناء منظومات اقتصادية
وتكنولوجية أكثر استقلالًا، حتى وإن كان ذلك على حساب
الكفاءة الاقتصادية.
ووفق قراءة مجموعة أوراسيا، فإن هذا الصراع مرشّح لأن
يأخذ شكل تصعيد منظّم وطويل الأمد، لا انفجارا مباشرا أو
مواجهة عسكرية مفتوحة، وهو ما يجعله أكثر خطورة على
المدى البعيد. فالعالم يتّجه، في ظل هذا السياق، نحو الانقسام
إلى كتل اقتصادية وتكنولوجية متنافسة، لكل منها قواعدها
ومعاييرها وسلاسل توريدها الخاصة.
وتحمّل هذه التحوّلات كلفة باهظة، لا سيما على الدول النامية
التي تجد نفسها عالقة بين مراكز نفوذ متعارضة، مجبرة على
الاختيار أو الموازنة الصعبة، في ظل تراجع فرص الاندماج

السلس في الاقتصاد العالمي وارتفاع كلفة التمويل
والتكنولوجيا والتجارة.
إعادة تعريف الدور الأمريكي في العالم
ومن المخاطر اللافتة التي يبرزها التقرير، توجّه الولايات
المتحدة نحو تقليص التزاماتها العالمية والتركيز أكثر على
محيطها القريب ومصالحها المباشرة، حيث سيترك هذا
التحول، إن تكرّس، فراغات جيوسياسية في مناطق عديدة،
ويضع حلفاء واشنطن أمام خيارات صعبة، بين البحث عن
مظلات أمنية بديلة أو تعزيز قدراتهم الذاتية.
أوروبا العالقة بين الأزمات
وتحذّر مجموعة أوراسيا من أنّ أوروبا تواجه وضعا بالغ
التعقيد والحساسية، حيث تتقاطع فيها أزمات اقتصادية
واجتماعية وسياسية، ما يضع القارة أمام تحديات غير
مسبوقة، فالاقتصاد الأوروبي يعاني من تباطؤ ملحوظ في
النمو، وارتفاع معدلات التضخم في بعض الدول، إلى جانب
ضغوط اجتماعية متصاعدة ناجمة عن البطالة، والهجرة،
والفجوات التنموية بين دول الشمال والجنوب. وفي الوقت
نفسه، يشهد المشهد السياسي صعود قوى وشخصيات رافضة
للاندماج الأوروبي أو معادية للمؤسسات المركزية، ما يزيد
من صعوبة اتخاذ قرارات جماعية حاسمة.
وبالإضافة إلى الضغوط الداخلية، تواجه أوروبا تحديات أمنية
متصاعدة، سواء على حدودها الشرقية حيث الصراع
الروسي–الأوكراني مستمر، أو على الحدود الجنوبية مع
مناطق غير مستقرة، بما في ذلك شمال إفريقيا والشرق
الأوسط، حيث تتزايد المخاطر المرتبطة بالهجرة غير

النظامية والتطرف. ووفق التقرير، فإن ضعف القيادة
السياسية الموحدة داخل الاتحاد الأوروبي يحدّ من قدرة القارة
على مواجهة هذه الأزمات بفعالية، ويترك دولها عرضة
للتأثر بالمصالح الفردية بدلاً من استراتيجية أوروبية شاملة،
ما يزيد من هشاشة القارة أمام التغيرات الجيوسياسية
والاقتصادية العالمية.
روسيا والحرب الرمادية
ورغم انشغال العالم بالحرب في أوكرانيا، ترى أوراسيا
غروب أنّ الخطر الأكبر يتمثّل في انتقال المواجهة مع روسيا
إلى مستوى الحرب الهجينة من هجمات سيبرانية، وتضليل
إعلامي، وضغوط اقتصادية، واختبارات مستمرة لوحدة حلف
شمال الأطلسي وهذا النمط من الصراع منخفض الحدة، لكنه
عالي الاستنزاف، ومرشّح للاستمرار لفترة طويلة.
عودة رأسمالية الدولة
ويشير التقرير إلى أنّ هناك اتجاها متصاعدا نحو تعزيز دور
الدولة في الاقتصادات الكبرى، لا سيما في الولايات المتحدة
وأوروبا، حيث لم تعد الدولة مجرد لاعب مراقب أو منظم
للسوق، بل أصبحت فاعلا نشطا عبر تقديم الدعم المباشر
للقطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة،
والدفاع، والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى التدخل في توجيه
الاستثمارات بما يخدم أهدافها الاقتصادية والأمنية.
ورغم أنّ هذا التوجّه يهدف بالأساس إلى تعزيز الأمن
الاقتصادي وضمان قدرة الدول الكبرى على حماية مصالحها
الاستراتيجية في مواجهة صدمات الأسواق العالمية أو
الأزمات الدولية، إلا أنّ التقرير يحذّر من أن لهذه السياسة

تبعات محتملة على المنافسة العالمية. فالتدخل المكثف للدولة
قد يؤدي إلى تشويه أسواق المنافسة الحرة، وإعطاء بعض
الشركات مزايا غير عادلة، ما يخلق بيئة من التوتر التجاري
بين الدول الكبرى والناشئة، وربما يشعل حروبا تجارية
جديدة أو نزاعات اقتصادية على الصعيد الدولي.
كما أنّ هذه السياسة قد تدفع الاقتصادات الصاعدة إلى البحث
عن سبل بديلة للوصول إلى الأسواق أو حماية صناعاتها، ما
يزيد من تعقيد العلاقات الاقتصادية الدولية ويزيد من
المخاطر العالمية على المدى المتوسط والبعيد.
فخ الانكماش في الصين
ومن بين أبرز المخاطر الاقتصادية التي يتوقف عندها
التقرير، دخول الصين في دوامة انكماشية يصعب الخروج
منها. فتباطؤ الطلب الداخلي، وأزمة العقارات، وارتفاع ديون
الحكومات المحلية، قد تدفع بكين إلى تصدير أزمتها عبر
إغراق الأسواق بمنتجات رخيصة، ما يزيد التوترات التجارية
ويضغط على اقتصادات أخرى.
الذكاء الاصطناعي خارج السيطرة
كما تنبّه مجموعة أوراسيا إلى أنّ التطور السريع للذكاء
الاصطناعي يتقدّم بوتيرة أسرع من قدرة الدول على تنظيمه،
فإلى جانب الفرص الاقتصادية الهائلة، يطرح الذكاء
الاصطناعي مخاطر جدية تتعلق بسوق العمل، والتضليل
الإعلامي، والأمن السيبراني، وحتى الاستقرار السياسي، في
ظل غياب قواعد دولية واضحة تحكم استخدامه.
اهتزاز النظام التجاري الإقليمي

ويتناول التقرير أيضا حالة الجمود التي تصيب بعض
الاتفاقيات التجارية الكبرى، ما يضعف التكامل الاقتصادي
ويزيد من النزاعات الحمائية. وتعتبر مجموعة أوراسيا أنّ
تسييس التجارة بات سمة رئيسية للعلاقات الدولية، حيث
تُستخدم الرسوم والعقوبات كسلاح سياسي، لا كأداة اقتصادية
فقط.
الماء كسلاح جيوسياسي
ويختم التقرير بالتحذير من تصاعد النزاعات حول الموارد
المائية، مع التأكيد على أنّ هذه القضية لم تعد مسألة بيئية أو
تنموية فحسب، بل أصبحت أداة استراتيجية للضغط والصراع
في العديد من المناطق حول العالم، مشيرا إلى أنّ هذا الخطر
يتفاقم بشكل خاص في المناطق التي تعاني أصلا من هشاشة
سياسية، وضعف مؤسسات الدولة، وصعوبات اقتصادية،
إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي التي تزيد من ندرة المياه
وتغيّر أنماط هطول الأمطار ومستوى الأنهار والبحيرات.
وفي هذا السياق، يصبح الماء عنصرا يمكن أن يتحوّل إلى
سبب مباشر للتوترات الإقليمية أو النزاعات المسلحة،
خصوصا بين الدول المجاورة أو في المناطق التي تعتمد على
خزانات مشتركة.
ويرى التقرير أنّ عدم القدرة على إدارة هذه الموارد بطريقة
مستدامة وعادلة يزيد من احتمالات تصعيد النزاعات على
الصعيد المحلي والإقليمي، ما يضيف بعدا جديدًا للمخاطر
العالمية، ويجعل الأمن المائي جزءا لا يتجزأ من أي تقييم
شامل للاستقرار السياسي والاقتصادي في القرن الحادي
والعشرين.

وتقدّم المخاطر التي حدّدتها مجموعة أوراسيا صورة لعالم
تتراجع فيه هوامش الأمان، وتزداد فيه التشابكات بين
الأزمات. عالم لا تُدار فيه المخاطر بمعزل عن بعضها، بل
تتغذّى من بعضها البعض.

Related posts

وزير الشؤون الاجتماعية: يؤدي زيارة فجئية لمركز البحوث و الدراسات الاجتماعية

root

المهدية: 24 إصابة جديدة بفيروس كورونا منها 21حالةفي الوسط المدرسي

root

بلال العيفة إلى أبها لمجاورة سعد بقير

root

Leave a review