منذ سنوات، دأبت اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية على
تنظيم احتفال سنوي يكرّم المتميزين من الرياضيين الذين
رفعوا راية تونس في المحافل الدولية، وأدخلوا البهجة إلى
قلوب الجماهير. هذا التقليد الذي أصبح جزءاً من الذاكرة
الرياضية الوطنية، لم يكن وليد الصدفة، بل انطلق بفكرة
أصيلة حملها الرياضي فتحي حشيشة، الذي آمن بضرورة
تثمين جهود الرياضيين وإعطائهم المكانة التي يستحقونها.
الفكرة لم تبق حبيسة الأوراق، بل تم تكليف شخصين بتعميقها
وتطويرها، وكان الكاتب أحدهما، فيما جاءت التسمية من
بنات أفكار الإعلامي صلاح بوذينة، لتولد بذلك نواة حفل
المشعل الأولمبي الذي أصبح اليوم علامة فارقة في المشهد
الرياضي التونسي.
البدايات على هضبة الهيلتون
انطلق الحفل في نسخته الأولى على هضبة الهيلتون، في
أجواء مهيبة جمعت كل مكونات الرياضة التونسية، من
جامعات وأندية ولاعبين ومسؤولين، وكان حضور وزارة
الشباب والرياضة في طليعة المدعوين. ذلك الحضور
الرسمي أعطى للحفل زخماً إضافياً، وأكد أن الرياضة ليست
مجرد منافسة أو نتائج، بل هي أيضاً ثقافة وذاكرة جماعية
تستحق الاحتفاء.
و لكن مع مرور السنوات، ومع بلوغ الحفل نسخته الحادية
عشرة (مع احتساب سنة الكوفيد التي عطلت الاحتفالات
ليصبح عمره اثني عشر عاماً)، بدأت بعض الغيابات تثير
التساؤلات. وزارة الشباب والرياضة، التي يفترض أن تكون
الراعي الأول للرياضة التونسية، غابت عن أكثر من نسخة،
وهو ما فتح الباب أمام جدل واسع حول العلاقة بين الوزارة
واللجنة الأولمبية، علاقة يفترض أن تكون تكاملية، لكنها
تحولت في بعض الأحيان إلى خلاف غير مقبول.
خلاف غير مبرر
الخلاف القائم بين وزارة الشباب والرياضة واللجنة الوطنية
الأولمبية لا يمكن تبريره، لأن كلا الجهازين مطالبان بالتكامل
والتنسيق خدمة للرياضة التونسية. اللجنة الأولمبية، برئاسة
محرز بوصيان، لم تتوقف عن الدعوة إلى حوار من أجل
صياغة “رؤى للرياضة التونسية”، فيما الوزير الصادق
المورالي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة الشراكة
لإعداد نخب أولمبية قادرة على المنافسة في أولمبياد 2028.
لكن ما بدا واضحاً أن هذه الشعارات سرعان ما جفت بمجرد
انتهاء حفل 2024، وكأنها مجرد كلمات للاستهلاك
الإعلامي. و في هذا السياق، دعا المنظمون الوزير إلى
حضور الحفل الأخير، ليس باعتباره مناسبة اجتماعية بل
باعتباره حدثاً وطنياً يهمه بشكل مباشر، بصفته المسؤول
الأول عن الرياضة التونسية، سياسياً وتمويلياً. لكن الوزير لم
يستجب، وهو ما جعل الأمر يتجاوز حدود الخلاف العادي،
ليصبح قضية تستوجب تدخلاً من رأس السلطة في البلاد.
و يبدو أن الرياضة التونسية اليوم في حاجة إلى “لفتة
رئاسية” واضحة، تعيد الانضباط وتفرض التكامل بين
الوزارة واللجنة الأولمبية. رئيس الجمهورية بإمكانه من خلال
قرار واحد أن يعيد الأمور إلى نصابها، عبر إحياء العيد
السنوي للرياضة والروح الأولمبية، الذي كان يمثل مناسبة
للاحتفاء بالمتفوقين، والأهم من ذلك تعميق التفكير في سبل
تطوير الرياضة التونسية. فالمسألة لم تعد مجرد احتفال، بل
أصبحت قضية استراتيجية تتعلق بمستقبل الرياضة في البلاد،
وبقدرتها على المنافسة في المحافل الدولية.
أجواء الحفل الأخير
رغم الغيابات، فإن النسخة الحادية عشرة من حفل المشعل
الأولمبي السنوي كانت ناجحة بكل المقاييس. الأجواء كانت
رائعة، والوجوه التي حضرت جسدت تاريخ الرياضة
التونسية ومجدها. من بين المكرّمين نجد أسماء لامعة مثل
تميم الحزامي، المختار ذويب، خميس أبقنيني، فتحي البكوش،
صبيحة بن سعيد، البشير لوزير، الهادي المحيرصي، هيكل
مقنم، جاوة بن زعرة، ليلى الزراع، كوثر عاشور، صلاح
الرقيق، المنذر مبارك، ومروى عمري. هؤلاء يمثلون أجيالاً
مختلفة، لكنهم جميعاً ساهموا في كتابة صفحات مشرقة من
تاريخ الرياضة التونسية.
و إلى جانب هؤلاء الرواد، كان الحفل مناسبة لتكريم نجوم
الجيل الجديد الذين يواصلون حمل المشعل، مثل كارم بن
هنية، خليل الجندوبي، وفاء المسغوني، ياسمين دغفوس،
وفادية عمراني. حضور هؤلاء الشباب أكد أن الرياضة
التونسية لا تزال قادرة على إنجاب أبطال، وأن المستقبل
يمكن أن يكون مشرقاً إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم
المادي والمعنوي.
و الحفل لم يقتصر على الرياضيين، بل كان أيضاً مناسبة
جمعت عدداً كبيراً من رجال ونساء الإعلام الرياضي، الذين
لعبوا دوراً محورياً في نقل الصورة وتوثيق اللحظة. الإعلام
الرياضي في تونس كان دائماً شريكاً أساسياً في صناعة
المجد، لأنه يساهم في إبراز الإنجازات، وفي خلق علاقة
وجدانية بين الرياضيين والجماهير. حضور الإعلاميين في
الحفل الأخير أكد أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل هي
أيضاً قصة تُروى، وذاكرة تُحفظ.
الرياضة كقضية وطنية
الرياضة في تونس ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي قضية
وطنية بامتياز. هي وسيلة لتوحيد الصفوف، ولتعزيز الانتماء
الوطني، ولإعطاء صورة إيجابية عن البلاد في الخارج. لكن
لكي تلعب الرياضة هذا الدور، لا بد من تجاوز الخلافات
الصغيرة، ومن بناء رؤية استراتيجية واضحة. اللجنة
الأولمبية والوزارة مطالبان بالجلوس إلى طاولة الحوار، ليس
من أجل تبادل الاتهامات، بل من أجل صياغة خطة عمل
مشتركة، تضع مصلحة الرياضة فوق كل اعتبار.
و إذا عدنا إلى تاريخ الرياضة التونسية، نجد أنها كانت دائماً
قادرة على تحقيق الإنجازات رغم الصعوبات. من كرة القدم
إلى ألعاب القوى، ومن المصارعة إلى الجيدو، كانت تونس
حاضرة في المحافل الدولية، ورفعت رايتها عالياً. لكن
المستقبل يتطلب أكثر من مجرد ذكريات. يتطلب استثماراً في
البنية التحتية، وفي تكوين المدربين، وفي دعم الرياضيين
مادياً ومعنوياً. يتطلب أيضاً رؤية سياسية تعتبر الرياضة
جزءاً من مشروع وطني شامل، لا مجرد نشاط ثانوي.
الرياضة التونسية تحتاج إلى تجاوز الخلافات
في النهاية، يمكن القول إن الرياضة التونسية تقف اليوم أمام
مفترق طرق حاسم. فهي تملك تاريخاً مشرفاً وأبطالاً صنعوا
المجد في مختلف الاختصاصات، لكنها في المقابل تواجه
تحديات تنظيمية ومؤسساتية تهدد قدرتها على الاستمرار في
صناعة الإنجازات. الخلاف القائم بين وزارة الشباب
والرياضة واللجنة الوطنية الأولمبية ليس مجرد سوء تفاهم
عابر، بل هو مؤشر على غياب التنسيق الضروري بين
مؤسستين يفترض أن تكونا جناحين لطائر واحد. و إن تجاوز
هذا الخلاف لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية.
فالمستقبل لا ينتظر، وأولمبياد 2028 ليس بعيداً كما يظن
البعض، بل هو على الأبواب وإعداد نخبة قادرة على المنافسة
يتطلب عملاً جماعياً، واستراتيجية واضحة، ودعماً سياسياً
ومالياً لا يقبل التردد.
الرياضة التونسية تحتاج اليوم إلى قرار من أعلى هرم
السلطة، قرار يعيد الانضباط، ويؤكد أن الرياضة ليست مجالاً
للتجاذبات، بل هي فضاء للوحدة والاعتزاز الوطني. إحياء
العيد السنوي للرياضة والروح الأولمبية يمكن أن يكون نقطة
انطلاق جديدة، ليس فقط للاحتفاء بالمتفوقين، بل أيضاً لفتح
نقاش وطني حول مستقبل الرياضة في تونس، وكيفية تحويلها
إلى رافعة للتنمية والتماسك الاجتماعي.
و لقد أثبت حفل المشعل الأولمبي السنوي أن الرياضة
التونسية قادرة على جمع كل أطيافها في أجواء من الفرح
والاعتزاز، وأنها تملك من الطاقات ما يجعلها جديرة بالرهان.
لكن هذا الرهان لن يتحقق إلا إذا تضافرت الجهود، وتجاوزت
المؤسسات خلافاتها، ووضعت مصلحة الرياضة فوق كل
اعتبار.
الرسالة واضحة الرياضة التونسية لا تحتاج إلى شعارات
جديدة، بل إلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى قرار شجاع يعيدها
إلى مسارها الصحيح. عندها فقط يمكن أن نحلم بمستقبل
أولمبي مشرق، وأن نرى راية تونس ترفرف عالياً في سماء
العالم، كما فعلت في الماضي، وكما تستحق أن تفعل في
المستقبل.


