بعد أن حاصرهم في فينزويلا ويسعى الى تتبعهم في كلالارضماذا ستفعل روسيا والصين لمواجهة غطرسة ترامب؟

في تطور فجّ؛ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن
الهجوم على فنزويلا جاء إحياءً لمبدأ “مونرو” (Monroe).
هو إعلان أصدره الرئيس الأميركي الخامس “جيمس
مونرو”، في العام 1823، مفاده أن أميركا اللاتينية مغلقة أمام
القوى الأجنبية، وكان المقصود حينذاك أوروبا.
ربطًا بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؛ انتقلت
الولايات المتحدة الأميركية من سياسة الضغط المتدرج إلى
سياسة الهجوم المباشر، في ظل تشابك معقد للعلاقات الدولية
وتراجع مبدأها القائم على مبادىء القانون الدولي التي أطاح
بها ترامب، ووضع الأطراف والقوى كلها في الزاوية، وعلى
رأس هذه القوى روسيا والصين التي لها مصالح كبيرة في
فنزويلا، ما يعني أن المرحلة القادمة هي مرحلة إخراج كل
القوى من فنزويلا ومن أميركا اللاتينية بشكل عام .
تحت عنوان الأولويات الأمنية؛ وهي طروحات تشكل ستارًا
للهدف المركزي المتمثل باحتياطي النفط والثروات؛ خطفت
أميركا مادورو ما يشكّل أكثر من رسالة عابرة ليتجه نحو
رسم سياسة ردعية استباقية، يعتقد ترامب أنها ستشكّل أساسًا
لاستبعاد روسيا والصين وإخراجهما من بلدان أميركا اللاتينية
كلها.

حاليًا؛ يضغط ترامب على فنزويلا لإخراج ما أسماهم
بالجواسيس وعملاء الاستخبارات التابعين لروسيا والصين
وكوبا وإيران، والإبقاء على عدد محدد من الديبلوماسيين لا
غير. هذه سابقة ستشكل أساس توجهات ترامب في المستقبل
القريب، وليس البعيد.
في هذا السياق؛ يبرز السؤال المركزي: ماذا ستفعل روسيا
والصين لمواجهة السلوك الأميركي؟ وهل ستسمحان لترامب
بالاستمرار في اجتياحه لسيادة البلدان؟ لا سيما أن تهديداته
لكوبا علنية وواضحة بما تمثله من نموذج تاريخي لوجود
روسيا والصين فيها، بالأخص روسيا، حيث تعد كوبا أحد
مواطىء النفوذ الروسي في أميركا اللاتينية.
عندما يتحدث ترامب عن “مبدأ مونرو”، والذي أصبح اسمه
“مبدأ دونرو” نسبة لاسمه، فهذا يعني قرارًا واضحًا بإنهاء
النفوذين الروسي والصيني في النصف الغربي من العالم.
على الرغم من التصعيد الكلامي الروسي ممّا حصل؛ تبقى
روسيا مقيدّة بأولويات ذات طابع استراتيجي وحساس وهو
انشغالها في الحرب مع أوكرانيا. هذا ما يفسر عدم تنفيذ
التعهدات الروسية التي صدرت عن وزير الخارجية الروسي
لافروف، في أواخر شهر ديسمبر الماضي، بحسم روسيا
موقفها عبر تقديم الدعم لفنزويلا، والذي لم يحصل ابدًا. ما
يفسر عدم الدعم، أيضًا، ما قاله نائب رئيس مجلس الأمن
الروسي ديمتري ميدفيديف من أن ما فعله ترامب على الرغم
من عدم قانونيته إلا أن للولايات المتحدة مصالح تدافع عنها،
وفنزويلا بالنسبة إلى أميركا بمثابة الحديقة الخلفية، وهذا ما

رأه بعض المسؤولين الأميركيين تسويغًا لما يمكن أن تقدم
عليه روسيا مستقبلًا في العمل على احتواء أوروبا.
لكن يبقى أن المخاوف الروسية ترتبط بالخشية من سيطرة
أميركا على النفط الفنزويلي؛ ما يجعلها قادرة على التحكم
بإمدادات الطاقة العالمية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التحكم
بالأسعار. هذا ما يمكن أن يؤذي روسيا كثيرًا، ويؤثر في
ورادتها المالية بنسبة عالية، وينعكس على الناتج القومي
وعلى نسب النمو. هو أمر سيقيد روسيا كثيرًا في المجالات
الحيوية العالمية، ويجبرها على الاهتمام بمشكلاتها أكثر،
ويدفعها إلى الانكفاء إلى داخل روسيا والخروج التدريجي من
مجالات نفوذها الحالية.
بالنسبة إلى الصين؛ لطالما رأت فنزويلا شريكًا اقتصاديًا
واستثماريًا طويل الأمد؛ وارتبط هذا الحضور بتقديم قروض
ضخمة وتنفيذ مشروعات بنية تحتية وتأمين إمدادات الطاقة.
كما أن الصين أصدرت موقفًا حادًا بعد صدور الاستراتيجية
الأميركية المتضمنة لمبدأ “دونرو”، ورقة سياسات عن
استراتيجيتها إزاء أميركا اللاتينية والكاريبي، أظهرت فيها
بكين رفضها الاعتراف بها منطقةَ نفوذ أميركية.
لكن الصين تتمسك بمبدأ عدم التدخل؛ حيث أدانت عملية
خطف مادورو بلغة ديبلوماسية محسوبة؛ أشارت فيها إلى
ضرورة عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول واللجوء إلى
القانون الدولي لحل النزاعات بالسبل الديبلوماسية، وليس
بالقوة، كما فعل ترامب.

كما روسيا؛ فإن الصين تستثمر في فنزويلا، بشكل واسع، مع
التذكير بأن 80 % من النفط الفنزويلي يتجه إلى الصين. هذا
يدركه ترامب الذي طمأن الصينيين بأن النفط الفنزويلي لن
ينقطع عنهم، وهو أمر خطير سيتحكّم ترامب من خلاله، إذا
استطاع السيطرة على النفط الفنزويلي، بحاجات الصين من
النفط، سواء بما يرتبط بالكميات أم الأسعار.
حتى اللحظة؛ لم تحصل متغيرات علنية في علاقة فنزويلا
بأميركا؛ لكن يبدو أن الأمور تتجه إلى تعاون فنزويلي –
أميركي. إذ إن فنزويلا، تحت التهديد وسياسة العصا
والجزرة، ما يؤشر إلى إمكان كبير بخضوع فنزويلا وتقديم
تنازلات كبيرة ستؤثر حكمًا في مصالح روسيا والصين. هذا
الأمر الذي لم تتخذ كل منهما أي موقف حازم إزاء البلطجة
الأميركية، لا سيما أن ترامب دفن القانون الدولي، ولم تعد
مؤسساته، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها، سوى
منابر تُلقى فيها الخطب مقابل جموح أميركي لا يتوقف،
سيهدد بالتأكيد استقرار العالم بأسره، ما لم تظهر مواقف
حازمة من الدول الكبرى لوقف الجنون الأميركي.
هل تحيي واشنطن صدمة نيكسون بصيغة ترامبية في مواجهة
الصين؟
تأخذ المواجهة الأميركية الصينية في عهد الرئيس الأميركي
دونالد ترامب منحًى يتجاوز حدود التنافس التجاري التقليدي
ليستقر في مساحة “الخنق الإستراتيجي” الممنهج، في تجلٍّ
واضحٍ لسعي إدارته نحو الانتقال من مرحلة احتواء التنين

إلى مرحلة تطويقه جيوسياسيًّا وطاقويًّا. وعند هذا المفترق
الخطير، نستحضر المفارقة التاريخية الكبرى التي تكمن في
المقارنة بين “صدمة نيكسون” عام 1971 التي فتحت أبواب
العالم للصين ومنحتها الانفتاح في المسار الاقتصادي، وبين
“صدمات ترامب” المتلاحقة التي تبرز كمحاولة مستميتة
لإعادة إيصاد تلك الأبواب التي شرعها نيكسون ذات يوم. فإذا
كانت خطوة السبعينيات مناورةً سياسيةً ناجحة استهدفت إحياء
الصين لتمزيق وحدة المعسكر الاشتراكي، فإنّ تحركات
ترامب اليوم تندفع في مسار مضاد تمامًا، فهي لا تكتفي
بمجرد الاحتواء، بل تهدف بوضوح إلى إضعاف النفوذ
الصيني عبر استهداف مفاصل قوّته في أكثر المناطق
الجغرافية اشتعالًا، ما يحوّل ذلك الانفتاح التاريخي إلى
إستراتيجية “خنق” شاملة.
هذه الإستراتيجية الأميركية الجديدة تمثلت تكتيكاتها العمليّة
في أكثر من موضع في العقد الحالي، إذ ينبغي للمراقب
السياسي فهم المؤشرات الدراماتيكية لسلوكيات الإدارة
الأميركية في التعامل مع الفاعلين الدوليين على أكثر من
مستوى لفهم مدارك هذه الإستراتيجية، ولإدراك مقاصد
الصدمة الحديثة بالصيغة الترامبية.
بداية، ننطلق من الإشارة إلى أن الطموح الصيني يرتكز على
قاعدة استهلاكية ضخمة تعتمد بنسبة تزيد على 72% من
احتياجاتها النفطية على الاستيراد الخارجي، وهو ما جعل من
بكين المستورد الأكبر للنفط الإيراني والفنزويلي بعيدًا عن
“الرقابة” الأميركية. ومن هذا المنطلق، نفهم السلوك

الأميركي “الخاطف” في فنزويلا، التي تمتلك أكبر
احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم بنحو 303 مليارات برميل،
في خطوة هدفت إلى السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على
هذه الموارد لتجفيف منابع الإمداد المناسبة (الرخيصة)
للصين.
ولقد تُرجمت الرغبة الأميركية في خنق شريان الطاقة
الفنزويلي عبر حصارٍ بحريٍّ وعقوباتٍ صارمةٍ، بلغت
ذروتها في العملية الأمنية الخاطفة التي استهدفت نيكولاس
مادورو، ما أدّى إلى تآكل الصادرات المتجهة نحو بكين
بشكلٍ دراماتيكيٍ وحوّل الدولة النفطية إلى منطقة إدارةٍ
مباشرةٍ تحت سطوة واشنطن. فبينما كانت كاراكاس تضخّ في
عام 2025 نحو 642 ألف برميل يوميًّا إلى الصين (ما يعادل
75% من إجمالي صادراتها) وفقًا لوثائق داخلية لشركة النفط
الفنزويلية (PDVSA)، تسبب الضغط الأميركي والانهيار
السياسي الذي أعقب غياب مادورو في هبوط هذه الإمدادات
إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، حيث تشير البيانات الأولية إلى
أن الكميات الواصلة للموانئ الصينية هوت إلى ما دون 166
ألف برميل يوميًّا بحلول الربع الأول من عام 2026، بحسب
تقرير لوكالة رويترز. 
هذا الانكماش الحاد، الذي يتزامن مع عجز الإنتاج الفنزويلي
عن تجاوز عتبة المليون برميل رغم امتلاكها أضخم احتياطي
عالمي، وضع أمن الطاقة الصيني في مأزقٍ حقيقي؛ إذ وجدت
بكين نفسها مرغمةً على اللجوء لـ “تجارة الظل” أو البحث
عن بدائل مكلفةٍ في الشرق الأوسط، ما يعيد إخضاع

احتياجاتها النفطية لسطوة الممرات البحرية التي تهيمن عليها
واشنطن، ويُجهض محاولاتها للإفلات من الرقابة الأميركية.
وعلى المنوال ذاته، تأتي التهديدات العسكرية والضغوط
القصوى على طهران لضرب العصب الطاقوي الذي يغذي
المصانع الصينية، إذ تستورد بكين من إيران ما يقارب 1.2
مليون برميل يوميًّا عبر “خطوط الظل البحرية”، ما يعني أن
إغلاق هذا المنفذ يمثل طعنة في “خاصرة” الأمن القومي
الصيني -تعمدّت استخدام هذا التعبير للدلالة على خطورة
الأمر- لا مجرد عقوبات اقتصادية مرحلية.
لا يتوقف التطويق عند آبار النفط، بل يمتد إلى مسارات
العبور الإستراتيجية. ففي القوقاز، يبرز “ممر زنغزور” الذي
بات يُعرف بصلته برؤية ترامب، كخنجر في مسار طريق
الحرير البري الصيني، والذي يهدف بعد التدخل الأميركي
لربط تركيا بأذربيجان ومنها إلى وسط آسيا متجاوزًا مسار
النفوذ الإيراني والروسي، ما يمنح واشنطن وحلفاءها القدرة
على التحكم في تدفق السلع من الصين إلى أوروبا.
وبتفصيل أكثر وضوحًا، نشير إلى أن ممر زنغزور يُعدّ أحد
أبرز التحركات الجيوسياسية التي تهدّد الركيزة البرية لمبادرة
“الحزام والطريق” الصينية، إذ يؤدي فتحه إلى تعطيل المسار
البري الذي يربط الصين بأوروبا عبر إيران والقوقاز، ما
يجبر بكين على العودة إلى خطوط نقل أطول وأعلى تكلفة
تمرّ عبر روسيا أو إيران الخاضعتين للعقوبات الجائرة. هذا
التحوّل يعني عمليًا ارتفاع تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين

20 و30%، وتراجع كفاءة تصدير السلع الصينية -من
الإلكترونيات والآلات إلى المنتجات الاستهلاكية- نحو
الأسواق الأوروبية التي تمثل نحو 20% من إجمالي
الصادرات الصينية. وبهذا، تتكبّد الصين خسائر بمليارات
الدولارات سنويًا نتيجة تعطّل مشاريعها اللوجستية وتأخير
تنفيذ مبادرة “الحزام والطريق”، فضلًا عن فقدانها التنويع
الإستراتيجي لصالح اعتماد أكبر على الممرات البحرية
الخاضعة للهيمنة الأميركية مثل مضيق “ملقا”.
هذا المضيق يمثّل بحد ذاته معضلة بالنسبة للصين في حال
اشتدّ الخناق الأميركي، إذ يمر عبره بين 75 إلى 85% من
واردات الصين النفطية القادمة من الشرق الأوسط وإفريقيا؛
ولذلك تطلق عليه القيادة الصينية مصطلح “معضلة ملقا”
(أطلقها الرئيس السابق هو جينتاو)؛ حيث تخشى بكين في
حال وقوع صراعٍ عسكريٍ أن تقوم الأساطيل الأميركية
بإغلاق هذا المضيق، ما يؤدي إلى شللٍ تامٍ في الماكنة
الصناعية الصينية خلال أيامٍ قليلةٍ.
أما التحدّي الآخر فنجد مصداقه في الداخل السوري، إذ إن
الإستراتيجية الأميركية لا تكتفي بمجرد الاحتلال العسكري،
بل تعمل كـ “فيتو” جيوسياسيٍ يعطّل طموحات التنين الصيني
في الوصول إلى مياه المتوسط الدافئة. فمن خلال السيطرة
على مكامن الثروة، من حقول النفط شرقًا إلى غاز البادية،
نجحت واشنطن في تحويل الجغرافيا السورية إلى منطقة
عزلٍ متعمدةٍ لإجهاض مشاريع الربط القاري. هذا التموضع
الأميركي لم يفرمل فقط مشروع الربط السككي الثلاثي

(إيران – العراق – سوريا) الذي كان سيمنح طريق الحرير
البري مخرجًا إستراتيجيًّا عبر موانئ طرطوس واللاذقية، بل
وضع استثمارات بكين الضخمة في مهب الريح؛ إذ سبق
لشركاتٍ مثل “سينوبك” (Sinopec) و”سينوكيم”
(SinoChem)  أن ضخت نحو 3 مليارات دولارٍ في
قطاعي النفط والغاز، فضلًا عن مذكرات تفاهمٍ لبناء محطاتٍ
كهربائيةٍ وشبكات بنيةٍ تحتيةٍ كانت ستجعل من سورية ركيزةً
أساسيةً في مبادرة “الحزام والطريق”. واليوم، يبدو أن
واشنطن تصرّ على إبقاء سورية في حالة تعطيلٍ مستمرٍ؛
لمنع أي محاولة صينية لإعادة الإعمار، ولضمان بقاء حركة
التجارة والطاقة العالمية تحت رحمة الممرات البحرية التي
تهيمن عليها الأساطيل الغربية، بعيدًا عن أي بدائل بريةٍ قد
تكسر هذه الهيمنة.
ولا ينفصل مشهد التناحر بين الأطراف المسلحة في مناطق
الثروات السورية عن هذا السياق؛ إذ يبدو أن إبقاء المناطق
النفطية (شمال وشرق سورية) في حالة “توترٍ دائم” بين قوى
متصارعة، مثل “قسد” وبقايا تنظيم “داعش” وصولًا إلى
التدافع مع الحكومة الانتقالية، هو إستراتيجيةٌ أميركيةٌ متعمدةٌ
لاستثمار الفوضى. فالحفاظ على هذه المساحات “الرمادية”
يمنح واشنطن المسوّغ المثالي للبقاء والسيطرة المباشرة على
الموارد واستنزافها بعيدًا عن أي شكلٍ من أشكال الانتظام
المؤسسي. وهذا ما يقودنا إلى استنتاجٍ مفاده أن عودة الحياة
النظامية واستتباب الأمن في تلك المناطق لا يخدم مصالح
الإدارة الأميركية بأي حال، فواشنطن تدرك تمامًا أن عامل

“الاستقرار” هو المناخ الذي تترقبه بكين لتدشين مشاريعها
الكبرى، ولذلك تحرص على إبقاء الجغرافيا السورية ساحةً
معطلةً وغارقةً في الفوضى؛ لضمان قطع الطريق أمام أي
نفوذٍ صينيٍ محتملٍ قد يستفيد من موارد المنطقة أو موقعها
الإستراتيجي.
وعلى جبهة التحالفات، ينتهج ترامب سياسة “قلب الطاولة”
لإعادة صياغة تموضع دول الخليج في الصراع العالمي؛ فهو
لا يكتفي بالدبلوماسية التقليدية، بل يستخدم لغة “الصفقات
الكبرى” لفك الارتباط المتنامي بين الخليج والصين. وتتمحور
خطته حول تقديم مغرياتٍ أمنيةٍ وتكنولوجيةٍ خارج إطار
المنافسة، هدفها دفع العواصم الخليجية للنأي بنفسها عن
إغراءات “طريق الحرير”. وقد تجلّى هذا الضغط بوضوح
في معركة تقليص نفوذ شركة “هواوي” الصينية، وعرقلة
الاستثمارات الصينية في الموانئ التي تمثل مفاصل التجارة
العالمية. إن هذه السياسة تقع في إطار هندسة متدرجة لإفراغ
مشروع “الحزام والطريق” من معناه؛ بحيث يستيقظ العالم
على واقعٍ يجد فيه التنين الصيني نفسه معزولًا عن منابع
الطاقة وممرات الإمداد، وتتحول إستراتيجياته الكبرى من
مشروعٍ للهيمنة إلى مجرد حبرٍ على ورق، بعد أن أحكمت
واشنطن قبضتها على المسار من المنبع حتّى المصب.
إننا اليوم أمام معركة إرادات تدور رحاها من كاراكاس إلى
دمشق وصولًا إلى القوقاز، تقود مسالكها الشريرة إرادة
ترامب لإثبات أنه قادر على إعادة هندسة العالم وفق منظور
“الزعيم” الذي يمتلك مفاتيح الموارد. وعليه، تبرز المفارقة

في أن صدمة نيكسون كانت هي الرافعة التي انتشلت الصين
من عزلتها في القرن الماضي بدافع الضرورة الإستراتيجية
آنذاك، بينما تبدو “صدمات ترامب” اليوم كأنها الرهان
الأخير لإعادة “التنين” إلى العزلة عبر خنقه في ممرات
الجغرافيا ومكامن الطاقة. 
وبين هاتين اللحظتين المفصليتين، تجد بكين نفسها أمام
امتحان تاريخي بالغ الصعوبة، فهي واقعًا تواجه سلسلة من
“بالونات الاختبار” الأميركية التي قد تنفجر في أي لحظة،
لتكشف ملامح نظام عالمي جديد يقوم على منطق القوّة
المجردة لا القانون، ويحوّل طموحات الدول والشعوب إلى
مجرد أرقام في دفاتر الصفقات التي يديرها “مقاول الهيمنة”
(ترامب) الساعي لإعادة تشكيل العالم وفق مقاس مصالحه
الخاصة.

Related posts

وزيرة الأسرة ووزير الفلاحة يوقّعان اتفاقيّة شراكة في مجال دعم التمكين الاقتصادي لفائدة النّساء والفتيات والأسر في القطاع الفلاحي

ichrak

انتهاء الاجتماع الثلاثي بين وزراء خارجية تركيا وروسيا وأوكرانيا

root

كيبوكيوب : بعد غد الإعلان عن الفائز بأول فرصة إطلاق قمر صناعي تعليمي إلى محطة الفضاء

root

Leave a review