بين عكس الواقع وصناعة المعنى:أي دراما نريد في رمضان؟

لم تعد تفصلنا سوى بضع أيام عن شهر رمضان المعظم، حيث تُشدّ الأنظار مجددا إلى الشاشة الصغيرة، وتعود معها الأسئلة القديمة المتجددة حول الدراما المزمع عرضها، وما إذا كان مطلوبا منها أن تعكس الواقع كما هو، أم أن دورها الأعمق يتمثل في صناعة المعنى وبناء الوعي، خاصة في رمضان بما يحمله من معان.

تغييرات كبرى في الدراما التونسية

ويبدو أن هذا الجدل لا يهم بلادنا فحسب، بل يطرح نفسه في أغلب المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يتحول الموسم الرمضاني إلى لحظة استثنائية للاستهلاك الثقافي، وتصبح الدراما أحد أهم مكونات النقاش العام حول القيم والهوية والحرية والمسؤولية، غير أن خصوصية السياق التونسي تضفي على هذا الجدل أبعادا إضافية، يراها المختصون مرتبطة بالتحولات الاجتماعية العميقة التي عرفتها البلاد، وبالرهانات الثقافية العامّة وخاصة التي أفرزتها مرحلة ما بعد الثورة.

ومن الملاحظ أن الدراما التونسية قد شهدت خلال العقد الأخير تغيرات كبيرة على مستوى المواضيع واللغة والسرد، حيث انتقلت تدريجيا من أعمال اجتماعية محافظة، إلى نصوص أكثر جرأة في تناول العنف والانحراف والهامش والعلاقات داخل المجتمع، وادّى ذلك الى بروز جدل متصاعد حول كسر “التابوهات” والاقتراب من الواقع، وحل فتح الباب على مصراعيه للنقاش حول الحدود الفاصلة بين الجرأة والابتذال، وبين التشخيص النقدي والاستثمار التجاري في الصدمة.

جدل مكرّر

ومع كل موسم رمضاني يعود الجدل ذاته، ولا يهدأ حول الدراما التلفزية وحدودها ووظيفتها ما إن كانت مرآة مطابقة للواقع كما هو، بكل تناقضاته وانحرافاته وقسوته، أم أنها مطالبة بالانضباط لقيم الشهر ولمخزون الهوية الجماعية، خاصة في زمن هشّ تتراجع فيه المرجعيات الجامعة.

ومع تقدم متابعة مختلف الاعمال يتضح ان هذا الجدل في جوهره لا يدور حول مشاهد بعينها أو ألفاظ صادمة أو شخصيات مثيرة للاستفزاز، بقدر ما يعكس صراعا أعمق حول معنى الفن، ودوره الاجتماعي، وحدود الحرية والمسؤولية، وحول سؤال مركزي جوهره “ماذا نريد من الدراما في مجتمع يعيش تحولات عميقة واضطرابا في القيم والمعايير؟”

ومن جهة أولى فإن المدافعون عن فكرة الدراما بوصفها مرآة للواقع ينطلقون من مسلّمة تبدو للوهلة الأولى منطقية، مفادها ان الواقع مليء بالعنف والانحراف والفساد والتهميش، وان الدراما لا تفعل سوى نقل ما يحدث في الشارع والبيوت والمؤسسات، وبالنسبة إليهم، فإن المطالبة بتنقية المضامين خلال رمضان ليست سوى شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، لأن المشاهد نفسه يعيش هذه الوقائع يوميا، بل وربما أشد منها قسوة.

ويعتقد أنصار هذه الفكرة أن الفن يُقاس بقدرته على التشخيص وطرح الأسئلة وكسر الصمت، وأن تقييد الدراما باسم القيم يفتح الباب للرقابة والوصاية وتجميد الإبداع، غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يغفل مسألة محورية تتعلق بطبيعة الصورة وتأثيرها، وبالفرق الجوهري بين نقل الواقع وبين إعادة إنتاجه وتطبيعه. فالدراما ليست مجرد مرآة محايدة، بل هي عملية اختيار وانتقاء وتركيب، تُضخّم أحيانا، وتُجمّل أحيانا أخرى، وتُعيد ترتيب الوقائع وفق منطق سردي يخدم الحبكة ويستثير الانتباه.

و في المقابل، يتمسك الفريق الثاني بفكرة الالتزام بقيم الشهر وبالهوية الثقافية والأخلاقية، معتبرا أن الشهر الكريم ليس زمنا عاديا في الوعي الجماعي، بل شهر تتضاعف فيها حساسية المتلقي، وتلتف فيها العائلة حول الشاشة في مشهد اجتماعي نادر خلال بقية السنة، وبالنسبة إلى هذا الفريق، فإن بث مضامين صادمة في هذا السياق استفزاز غير مبرر، وقطيعة مع المزاج العام، وربما استخفاف بدور الإعلام في حفظ التوازن الاجتماعي لكن هذا الموقف بدوره يواجه مأزقا حقيقيا، إذ يتحول أحيانًا إلى خطاب أخلاقي تبسيطي، يختزل الهوية في صورة مثالية جامدة، ويتعامل مع القيم باعتبارها شعارات جاهزة لا واقعا متحركا.

كما أن الدعوة إلى دراما نظيفة قد تنزلق بسهولة نحو أعمال مسطّحة، تخلو من العمق والصراع، وتعيد إنتاج نماذج نمطية منفصلة عن تعقيدات المجتمع، وهو ما يفرغ الدراما من بعدها النقدي ويحوّلها إلى مجرد مادة استهلاكية مريحة، وبين هذين الموقفين المتقابلين، يضيع النقاش الحقيقي، لأن السؤال الأهم هو كيفية ملامسة الدراما الواقع دون أن السقوط في فخ الابتذال.

الحاجة الى فعل ثقافي عميق

ويقتضي التعمق في هذا النقاش الاعتراف أولا بأن الواقع نفسه ليس كتلة واحدة، وأن اختيار زاوية النظر هو قرار فني وأخلاقي في آن واحد، حيث لا يمكن اختزال المجتمع في الهامش فقط، ولا في القبح وحده، كما لا يختزل في الطهرانية المصطنعة، فهناك مساحات واسعة من الصراع الصامت، ومن الأسئلة المؤجلة، ومن المعاناة اليومية غير الصاخبة، ومن القيم التي تُختبر بدل أن تُرفع كشعارات.

كما ان احترام قيم رمضان لا يعني بالضرورة حذف التوتر أو الصراع، بل إعادة صياغتهما ضمن منطق إنساني أعمق، يفتح أفق الفهم بدل استدراج الغرائز، ويؤكّد اهل الاختصاص انّ الفن القادر على مساءلة العنف دون تمجيده، وعلى كشف الانحراف دون تطبيعه، وعلى نقد الواقع دون تحويله إلى فرجة رخيصة، هو فن لا يتعارض مع القيم، بل يشتغل داخلها ومن أجلها.

وبالتالي يبدو أنّه قد آن الأوان للخروج من ثنائية المرآة والالتزام نحو سؤال أكثر نضجا وهو “أي واقع نختار أن نعكسه، وبأي أدوات، ولصالح أي وعي جماعي؟” وعندها يمكن للدراما الرمضانية أن تكون فعلا ثقافيا عميقا، وابعد عن مادة للجدل أو مناسبة لتبادل الاتهامات، في زمن يحتاج فيه المجتمع إلى الفن بقدر حاجته إلى القيم.

Related posts

درّة زروق لـ”قبل الأولى” فيلم “وين صرنا” يكشف جانبا من معاناة الشعب الفلسطيني.. و تجربتي كمخرجة خضتها بكل شغف و حب

قبل الأولى

مهرجان القاهرة السينمائي: أحمد عز يكشف محطات في مسيرته الفنية

قبل الأولى

وفاة والدة الفنان هاني رمزي بعد صراع مع المرض

قبل الأولى

Leave a review