زغوان… ذاكرة الحِرفة وهوية المكان

صناعات تقليدية عريقة تبحث عن نفس جديد بين الابتكار والتكوين والتسويق

محمد الدريدي
لم تكن الصناعات التقليدية في ولاية زغوان مجرّد نشاط اقتصادي عابر أو حِرف تُمارَس لسدّ الحاجة، بل كانت على امتداد قرون مرآةً لروح المكان، وذاكرةً حيّةً تختزل تاريخ الجهة وتحوّلاتها الاجتماعية والثقافية. فمن الطين المحروق الذي تحوّل إلى عمران، إلى القرمز الذي صبغ الأقمشة بألوان الحياة، إلى الفخار الذي حمل الماء إلى البيوت، تشكّلت ملامح هوية متجذّرة لا تزال تقاوم النسيان.
اليوم، تقف هذه الصناعات عند مفترق طرق: إرث عريق من جهة، وحاجة ملحّة إلى التحديث والابتكار والترويج من جهة أخرى. وبين الماضي والحاضر، تطرح زغوان سؤالها الكبير: كيف نحافظ على الحرفة دون أن تتحوّل إلى ذكرى؟

* الحرفة كجذر حضاري… من الأندلس إلى سفوح الجبل

تشير المعطيات التاريخية المتوفرة إلى أن زغوان عرفت منذ قرون تنوّعًا لافتًا في الصناعات التقليدية، ساهم في تشكيل خصوصيات مدنها وقراها. ويؤكد باحثون في التراث المحلي أن التحوّل الأبرز في هذا المسار ارتبط بقدوم الأندلسيين إلى الجهة، حيث حملوا معهم تقنيات جديدة في النسج والصباغة وصناعة الفخار.
ومن بين أبرز هذه الحِرف صناعة النسيج التقليدي، التي ارتبطت بإنتاج الأغطية والبطانيات الصوفية، قبل أن تتطوّر تقنياتها لتشمل مراحل دقيقة من التلوين والصبغ باستعمال القرمز، وهو الصبغ الأحمر الطبيعي الذي اشتهرت به الجهة. وكانت الأقمشة تُغسل لاحقًا في مياه عيون الجبل العذبة، في مشهد يعكس تلاقي الطبيعة بالحرفة، والبيئة بالإنتاج.
هذه الدورة المتكاملة – من المادة الخام إلى المنتج النهائي – لم تكن مجرد عملية تقنية، بل طقسًا اجتماعيًا تشارك فيه العائلة والمجتمع، حيث تنتقل المهارة من جيل إلى آخر، وتُصاغ الخبرة في ذاكرة جماعية متوارثة.

* الطين الذي صار مدينة… العمارة كصناعة تقليدية

لا يمكن الحديث عن الصناعات التقليدية بزغوان دون التوقّف عند التراث المعماري الذي ارتكز أساسًا على الطين المحروق. فقد كان هذا المورد الطبيعي المادة الأساسية لصناعة “الآجرّ القالب”، الذي استُعمل في تشييد أهم المعالم التاريخية والمنازل القديمة بالجهة. الطين هنا لم يكن مجرد مادة بناء، بل عنصرًا من عناصر الهوية العمرانية. فالبيوت ذات الأقواس، والأسوار المتناسقة، والواجهات التي تتنفس التاريخ، كلّها شاهدة على حرفة أتقنها البنّاء التقليدي، وورث أسرارها جيلاً بعد جيل.
و إن العمارة التقليدية في زغوان تكشف عن فهم عميق للبيئة والمناخ، حيث استُعملت مواد محلية، وتم توظيفها بطريقة تراعي الحرارة والرطوبة وطبيعة الأرض. إنها حرفة تتجاوز البناء إلى فلسفة في العيش.

* الماء… صناعة خفية في شرايين المدينة

من العناصر اللافتة في تاريخ الصناعات التقليدية بزغوان شبكة المياه الصالحة للشرب، التي كانت تُصنع قنواتها من الفخار والرصاص، لتربط بين منابع الجبل وبيوت المدينة. وقد شكّلت هذه الشبكة إحدى ركائز التنظيم الحضري، ورافدًا أساسيًا لاستقرار السكان وتطوّر الحِرف. فالفخار لم يكن مجرد أوانٍ منزلية، بل مادة استراتيجية في البنية التحتية. القنوات، الجرار، الخزّانات… كلها صُنعت بأيادٍ محلية، مما يؤكد أن الحرفة كانت في صميم الحياة اليومية، لا على هامشها.

* تنوّع في المنتوج… وثراء في الرمزية

تميّزت الصناعات التقليدية بزغوان بتنوّع منتوجاتها، من النسيج والصوف إلى الفخار والخزف، مرورًا بالأدوات المنزلية اليدوية. لكل منتج رمزيته ووظيفته، ولكل حرفة حكايتها.
فالزرابي لم تكن مجرد أغطية أرضية، بل لغة زخرفية تحمل رموزًا اجتماعية وثقافية. والأواني الفخارية لم تكن أدوات استعمال فحسب، بل تعبيرًا عن ذوق فنيّ متوارث. حتى الألوان المستعملة في الصباغة كانت تحيل إلى دلالات معينة، تتراوح بين الفرح والحداد، بين الاحتفال واليومي.
هذا الثراء الرمزي هو ما يمنح الصناعات التقليدية قيمتها الثقافية، ويجعلها قابلة للتثمين السياحي والاقتصادي إذا ما أُحسن استثمارها. و رغم هذا الرصيد التاريخي الغني، تعاني الصناعات التقليدية بزغوان اليوم من جملة من التحديات. فعدد الحرفيين في تراجع، واهتمام الشباب بالحِرف اليدوية محدود، في ظلّ بحثهم عن وظائف أسرع مردودية وأقلّ مشقّة.
كما أن مسالك الترويج لا تزال ضعيفة، إذ يظلّ المنتوج التقليدي حبيس الأسواق المحلية أو المعارض الموسمية، دون استراتيجية تسويق حديثة تستفيد من التجارة الإلكترونية أو المنصات الرقمية.أما التكوين، فيبقى أحد أبرز النقاط التي تحتاج إلى تطوير. فالكثير من المهارات تُنقل شفويًا، دون تأطير أكاديمي أو برامج تدريب منظمة تضمن الجودة والاستمرارية.

* الابتكار… ضرورة لا خيار

إن الحفاظ على الصناعات التقليدية لا يعني تجميدها في قالب الماضي، بل تطويرها بما يتماشى مع حاجيات العصر. فالابتكار في التصميم، وتحديث الألوان، وإدماج التقنيات الحديثة في بعض مراحل الإنتاج، كلها خطوات ضرورية لضمان ديمومة الحرفة. كما يمكن خلق شراكات بين الحرفيين والمصممين الشباب، لإنتاج قطع تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتستهدف أسواقًا جديدة، محلية ودولية.و إن التجارب الناجحة في بعض الجهات الأخرى أثبتت أن الصناعات التقليدية يمكن أن تتحول إلى علامة تجارية مميزة، إذا ما تم ربطها بهوية واضحة وخطة ترويج مدروسة.

* السياحة الثقافية… فرصة مؤجلة

تزخر زغوان بمقومات سياحية طبيعية وتاريخية مهمة، ويمكن للصناعات التقليدية أن تكون عنصر جذب إضافي ضمن مسار سياحي متكامل. فزيارة ورشات الحرفيين، وتنظيم معارض دائمة، وإحداث فضاءات لعرض وبيع المنتوجات، كلها مبادرات من شأنها تنشيط الحركة الاقتصادية.فالسائح اليوم لا يبحث فقط عن مكان يزوره، بل عن تجربة يعيشها. والصناعة التقليدية قادرة على توفير هذه التجربة، بما تحمله من قصص وطقوس وأصالة.و إن إنقاذ الصناعات التقليدية بزغوان يتطلّب رؤية استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور أساسية كالتكوين والتأهيل عبر إحداث مراكز تدريب متخصصة، وربطها بالمؤسسات التربوية. و الترويج والتسويق من خلال اعتماد المنصات الرقمية، والمشاركة في المعارض الدولية مع الابتكار والتجديد عبر دعم المبادرات الشبابية وتشجيع التصميم المعاصر المستلهم من التراث. كما يبقى دور الدولة والسلطات الجهوية أساسيًا في توفير التمويل والتحفيزات، إلى جانب إشراك المجتمع المدني في حماية هذا الموروث.

* بين الذاكرة والمستقبل

زغوان ليست مجرد جهة عرفت صناعات تقليدية في زمن مضى، بل فضاء حيّ يمكن أن يستعيد بريقه إذا ما أُحسن استثمار تاريخه. فالحِرفة ليست قطعة متحفية، بل كائن حيّ يحتاج إلى رعاية وتطوير. و إن الرهان اليوم ليس فقط الحفاظ على الماضي، بل تحويله إلى قوة اقتصادية وثقافية قادرة على خلق مواطن شغل، وتعزيز الانتماء، وترسيخ صورة الجهة كفضاء للإبداع.
زغوان… ذاكرة الحِرفة وهوية المكان. وبين الطين والقرمز والماء، تظلّ الحكاية مفتوحة على أمل أن تستعيد الصناعات التقليدية موقعها الطبيعي في قلب التنمية، لا على هامشها.

Related posts

انس جابر تحافظ على المركز الخامس

Ghada Trabelsi

وزيرة التجارة وتنمية الصادرات تشرف على جلسة عمل مع رئيس الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي

root

من كل بلد أكلة: الشباكية المغربية

root

Leave a review