الافتتاحية: حماية الطفولة مسؤولية الجميع

صابر الحرشاني

فتحت قضية الاعتداء على طفل داخل روضة خاصة جرحا عميقا في الضمير العام واعادت طرح سؤال الحماية وحدود المسؤولية حيث فرضت الواقعة نفسها كاختبار حقيقي بشأن القدرة على صون الطفولة ومنع تحويل المأساة الى فرجة رقمية.

وتكشف الحادثة عن هشاشة مزدوجة تضرب فضاءات يفترض ان تكون آمنة وتضرب ايضا المجال العمومي الذي يندفع احيانا نحو تداول التفاصيل دون وعي بكلفة ذلك على الضحية.

وقد وضعت وزارة الاسرة والمرأة والطفولة وكبار السن خطا احمر ودعت الى الكف عن نشر معطيات يمكن ان تقود الى التعريف بالطفل ضحية الاعتداء بصورة مباشرة او غير مباشرة و استندت الوزارة في ذلك  الى الدستور ومجلة حماية الطفل والقانون الاساسي عدد 63 لسنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية لتؤكد ان حماية الهوية ليست خيارا اخلاقيا فقط بل واجب قانوني موجب للتتبع.

وتفرض هذه الدعوة قراءة ابعد من حدود البلاغ الاداري حيث  تضع المجتمع امام مسؤوليته في زمن تتسارع فيه الاخبار وتتناقل فيه المنصات الاجتماعية ، كما تدفعنا الواقعة الى الاعتراف بان الانتهاك لا يتوقف عند الفعل الاجرامي المفترض بل قد يتجدد عبر اعادة نشر الصور والاسماء والتفاصيل التي تسمح بتتبع الضحية داخل محيطها المدرسي والعائلي و يتحول الفضاء الرقمي في لحظات الغضب الى محكمة شعبية لا تراعي احيانا مصلحة الطفل الفضلى.

و تذكر الوزارة بامكانية الاشعار الفوري عن اي تهديد لمصلحة الطفل عبر القنوات الرسمية وعبر الرقمين 192 و1809 او عبر مندوبي حماية الطفولة و دعت المواطنين الى تحويل انفعالهم الى فعل مسؤول و بذلك هي تدفعهم الى اعتماد المسارات القانونية بدل الانخراط في سباق النشر و تؤكد ان الدولة وفرت ادوات للتدخل وان حماية الطفل تمر عبر مؤسسات واضحة الاختصاص.

ويعكس قرار غلق الروضة المعنية تنفيذا للمقتضيات القانونية ارادة في عدم التهاون مع كل ما يمس سلامة الاطفال كما  يرسل القرار رسالة ردع لبقية المؤسسات الخاصة مفادها ان الرقابة قائمة وان التقصير ستكون له كلفة ادارية وقضائية. يترجم التنسيق بين المصالح الجهوية للوزارة ووالي الجهة حرصا على تنفيذ القرار دون ابطاء.

وتدفع هذه القضية الى التفكير في منظومة الرقابة على رياض الاطفال الخاصة حيث تطرح اسئلة حول شروط الانتداب والتكوين والمراقبة الدورية و تدعو الى مراجعة اليات التثبت من كفاءة العاملين ومن سجلاتهم العدلية و تفرض على الوزارة وعلى بقية الهياكل المعنية تقييم السياسات الوقائية وتطويرها بما يتلاءم مع حساسية الفضاء الذي يحتضن اطفالا في اعمار مبكرة.

كما تكشف الواقعة عن حاجة ملحة الى ثقافة مجتمعية تحمي الطفل من العنف ومن الوصم في الوقت ذاته، و تفرض علينا التمييز بين حق المجتمع في متابعة قضية تمس الامن التربوي وحق الطفل في الخصوصية والكرامة و تذكرنا ايضا بان الطفل ضحية مفترضة لا يملك القدرة على الدفاع عن صورته في الفضاء العام و تدعونا الى كبح نزعة التشهير التي قد تلاحقه سنوات طويلة.

و تضع الحادثة الاعلام ايضا امام امتحان مهني حيث  تدعوه الى الالتزام بمدونات السلوك التي تمنع كشف هوية الاطفال في القضايا الحساسة و تحثه على معالجة الموضوع بعمق دون الانزلاق نحو الاثارةو تدفعه الى التركيز على الجوانب الوقائية وعلى دور السياسات العمومية بدل الغرق في تفاصيل قد تضر بالمسار القضائي وبمصلحة الضحية.

وتفرض الواقعة على المشرع مراجعة بعض الثغرات ان وجدت في منظومة حماية المعطيات الشخصية وفي اليات الردع ضد من ينشر معلومات تمس الاطفال، كما  تدعو الى تفعيل العقوبات المنصوص عليها حتى يدرك الجميع ان حماية الطفل ليست شعارا بل التزاما نافذا.

وتفتح القضية نقاشا اوسع حول العنف المسلط على الاطفال داخل الفضاءات التربوية و تدفع الاسر الى مزيد اليقظة والى تعزيز قنوات التواصل مع الابناء كما  تشجع على نشر ثقافة الاصغاء للطفل وعلى تعليمه كيفية التعبير عن اي سلوك مريب يتعرض له. تذكر بان الوقاية تبدا من الثقة المتبادلة بين الطفل ومحيطه الاسري.

وتدفع الواقعة الدولة الى الاستثمار اكثر في التكوين النفسي والاجتماعي للعاملين في قطاع الطفولة، و تحثها على ادماج برامج اجبارية للتوعية بالتحرش والاعتداءات وكيفية اكتشاف مؤشراتها المبكرة. تفرض عليها تحديث قواعد التفقد والمتابعة وتكثيف الزيارات الميدانية المفاجئة. تجعل من حماية الطفل سياسة عمومية عابرة للقطاعات لا تختزل في وزارة واحدة.

ويبدو ان هذه القضية تستدعي نقاشا حول التربية الرقمية داخل الاسر والمدارس كما انها تحث على تعليم الناشئة كيفية استخدام المنصات بمسؤولية و تدعو الى غرس قيم احترام الخصوصية وعدم تداول المعلومات الحساسة. تجعل من الوعي الرقمي خط دفاع اول ضد الانتهاك الثاني الذي قد يطال الضحية.

وتفرض هذه الحادثة على المجتمع ان يوازن بين الغضب المشروع تجاه اي اعتداء محتمل وبين التعقل الواجب في التعاطي مع المعطيات. تدعو الى تحويل الصدمة الى فرصة لتعزيز منظومة الحماية. تحفز على بناء جبهة مجتمعية ترفض العنف وترفض ايضا التشهير.

Related posts

وزيرة التجهيز تؤكد الانتهاء من اعداد مشروع مجلة التهيئة الترابية والتعمير سنة 2024

وزير الخارجية نبيل عمار بلتقي باحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية

Ra Mzi

مع موفى سبتمبر: تسجيل عجز في الميزان الطاقي بنحو 4,1 مليون طن مكافئ نفط

Na Da

Leave a review