بعد سنوات من النقاش والبحث عن بدائل واقعية لأزمة السكن المتفاقمة، دخلت آلية الكراء المُملّك مرحلة جديدة وحاسمة في تونس، عنوانها المصادقة على الإطار التشريعي والانطلاق الفعلي في التنفيذ.
وقد مثلت مصادقة البرلمان الاربعاء الماضي على مشروعي قانونين يمكنان الباعثين العقاريين العموميين من الانخراط في الكراء المملك توجها رسميا لإعادة الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة في قطاع السكن، ومحاولة جادة لتخفيف الضغط عن فئات واسعة من الأجراء الذين بات امتلاك مسكن بالنسبة إليهم حلما مؤجلا بفعل الغلاء وارتفاع كلفة القروض البنكية.
أزمة سكن تتعمّق
ولم يعد خافيا أن السوق العقارية في تونس تشهد منذ أكثر من عقد حالة تضخم متواصل، بفعل ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء، وتضاعف كلفة الإنجاز، في مقابل تراجع واضح في القدرة الشرائية، خاصة لدى متوسطي ومحدودي الدخل. هذا الواقع وضع آلاف العائلات الشابة أمام خيارات محدودة، إما كراء مرتفع يستنزف نسبة كبيرة من الدخل الشهري، أو قروض بنكية طويلة الأمد بشروط معقّدة وفوائد تثقل كاهل الأجير لسنوات طويلة.
وفي ظل هذا المشهد، تحوّل السكن من حق اجتماعي إلى عبء اقتصادي، ما دفع الدولة إلى البحث عن صيغ بديلة توازن بين حق المواطن في مسكن لائق وقدرته الفعلية على الدفع، بعيدا عن منطق السوق المحض.
الكراء المُملّك… عودة بصيغة جديدة
وليست آلية الكراء المُملّك جديدة من حيث المبدأ، إذ سبق اعتمادها في تجارب محدودة داخل تونس وخارجها، غير أنّ الجديد اليوم يتمثل في إرسائها ضمن إطار تشريعي واضح، وتكليف باعثين عموميين بتنفيذها، مع توفير شروط تمويل استثنائية تراعي البعد الاجتماعي.
وتقوم هذه الآلية على تمكين المنتفع من السكن في مسكن لائق مقابل معلوم كراء شهري، يُحتسب جزء منه كأقساط تملّك، ليؤول العقار إلى ملكه بعد استكمال مدة زمنية مضبوطة، دون المرور عبر القروض البنكية التقليدية وما تفرضه من فوائد وإجراءات معقّدة.
وتكمن أهمية هذا النظام في تحقيقه معادلة صعبة: الاستقرار السكني من جهة، وعدم إرهاق المنتفع ماليا من جهة أخرى، بما يوفّر استقرارا نفسيا واجتماعيا للأسر، ويحدّ من ظاهرة التنقل القسري بين المساكن المؤجرة.
المصادقة على الإطار التشريعي
وفي هذا السياق، صادق مجلس نواب الشعب على نصّين قانونيين يُشكّلان اللبنة الأولى لإرساء آلية الكراء المُملّك. ويتعلّق النص الأول بإتمام القانون الأساسي للشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية، فيما يهمّ الثاني إتمام القانون المتعلّق بإحداث شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.
وتهدف هذه التنقيحات إلى تمكين الشركتين من اعتماد صيغ تمويل وتسويق ميسّرة، من بينها الكراء المُملّك والبيع بالتقسيط، بما يسمح ببيع المساكن الاجتماعية المموّلة من موارد صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء، وفق شروط تراعي أوضاعهم الاجتماعية.
وتؤكّد الحكومة أن هذه الخطوة تندرج ضمن توجه الدولة إلى استعادة دورها الاجتماعي في مجال السكن، تنفيذا لتوصيات المجلس الوزاري المضيّق المنعقد في جانفي 2025، والمخصّص لتثمين الرصيد العقاري الدولي ودعمه لفائدة المشاريع ذات البعد الاجتماعي.
أراضٍ بالدينار الرمزي… لتخفيض الكلفة
و من أبرز عناصر القوة في هذا البرنامج، توجّه الدولة إلى توفير الأراضي اللازمة من العقارات الدولية بالدينار الرمزي لفائدة الباعثين العقاريين العموميين وهي خطوة تهدف إلى التقليص من كلفة الإنجاز، وبالتالي التحكم في السعر النهائي للمساكن.
وفي هذا الإطار، تم إلى حدود جانفي 2026 التفويت في نحو 10.2 هكتارات من الأراضي الدولية لفائدة الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، شملت عدة ولايات من بينها منوبة، نابل، بن عروس، قابس، وأريانة، مع العمل على استكمال أوامر تفويت أخرى في ولايات إضافية.
ووفق المعطيات الرسمية التي قدّمها وزير التجهيز والإسكان، تعتزم الدولة خلال مخطط التنمية 2026–2030 إنجاز حوالي 5000 مسكن في إطار آلية الكراء المُملّك، بكلفة تقديرية تناهز 750 مليون دينار، أي بمعدل ألف مسكن سنويا.
ومن المنتظر أن ينطلق القسط الأول من البرنامج بداية من سنة 2026، بإنجاز 1213 مسكنا موزّعة على 11 ولاية، بكلفة تقارب 212 مليون دينار، على أن يتم تسليم أولى المساكن الجاهزة أواخر سنة 2027 أو مطلع 2028.
شروط ميسّرة وفائدة صفر بالمائة
من النقاط التي لاقت اهتماما واسعا، اعتماد تمويل يصل إلى 100 بالمائة من كلفة الإنجاز عبر صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء، مع تمكين المنتفعين من التسديد على فترة قد تصل إلى 25 سنة، وبنسبة فائدة في حدود صفر بالمائة، وهو ما يمثّل قطيعة مع منطق القروض البنكية التقليدية.
كما شدّد الوزير على أن معلوم الكراء لن يكون مشطّا، وسيُحدّد اعتمادا على المعدلات المعمول بها في كل منطقة، مع مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي إطار القطع مع ممارسات الماضي، أعلنت وزارة التجهيز عن إعداد منصّة رقمية خاصة بالبرنامج، يُنتظر أن تكون جاهزة أواخر سنة 2026، لتمكين المواطنين من التسجيل والاطلاع على الشروط بصفة شفافة.
ويُفترض أن تعتمد هذه المنصة معايير موضوعية وواضحة للانتفاع، بما يضمن تكافؤ الفرص، ويحدّ من الوساطة والمحسوبية، خاصة وأن البرنامج يستهدف الأجراء في القطاعين العام والخاص دون استثناء.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على آلية التمويل فحسب، بل تمتدّ إلى التصور العمراني الجديد للسكن الاجتماعي، إذ من المنتظر أن تتوفّر الأحياء المبرمجة على كل المرافق الأساسية، وأن تراعي شروط العيش الكريم والتخطيط الحضري الحديث.
ويهدف هذا التوجه إلى منع تشكّل أحياء مهمّشة أو معزولة، وتعزيز الإدماج الاجتماعي والتماسك المجتمعي داخل المدن، بما يجعل السكن الاجتماعي رافعة للاستقرار لا بؤرة للهشاشة.
رافعة اقتصادية واجتماعية
و يتجاوز أثر الكراء المُملّك البعد الاجتماعي ليشمل الاقتصاد الوطني، إذ من شأن تنشيط قطاع البناء أن يخلق مواطن شغل، ويحرك الصناعات المرتبطة به، ويعزز الدورة الاقتصادية. كما أن استقرار الأسر في مساكن لائقة ينعكس إيجابا على الإنتاجية، والاستقرار الأسري، وحتى على مؤشرات الصحة والتعليم.
ورغم الإشارات الإيجابية، يبقى نجاح هذه الآلية رهينا بجملة من الشروط، من بينها توسيع حجم المشاريع لتغطية الطلب المتزايد، وحسن اختيار المواقع، والتحكم في كلفة الإنجاز، وضمان نجاعة الحوكمة والمتابعة.
ويمكن القول ان الية الكراء المملك هي خيار اجتماعي يعيد الاعتبار لحق السكن، ويمنح الأجير فرصة واقعية لبناء مستقبله خارج منطق القروض المرهقة. وإذا ما كُتب لهذه التجربة النجاح والتعميم، فقد تشكّل نقطة تحوّل حقيقية في علاقة التونسي بالسكن، وتعيد الأمل لفئات طالما شعرت بأن امتلاك مسكن بات حلما بعيد المنال.
