بين تشديد الرقابة وضغط الأسعار: السوق الغذائية في رمضان على محكّ التوازن

إعداد: مفيدة مرابطي  مع دخول شهر رمضان، تتجه الأنظار إلى الأسواق ومؤشرات التزويد والأسعار، في ظل تزايد الطلب على المواد الغذائية الأساسية. وتؤكد وزارة التجارة وتنمية الصادرات أن المتابعة تتم بصفة يومية وميدانية في مختلف جهات البلاد، عبر رصد دقيق لحركية العرض والطلب والتدخل الفوري لتفادي أي إخلالات قد تمسّ انسيابية التزويد أو تستهدف القدرة الشرائية للمواطن.  متابعة يومية ومخزونات تعديلية للمواد الحساسة أوضحت وزارة التجارة أن تدخلها شمل المستويين المركزي والجهوي لضمان تأمين انسيابية المواد الفلاحية والمصنّعة، مع تكوين مخزونات تعديلية لبعض المواد الحساسة، على غرار مادة البيض، إلى جانب المخزونات الاستراتيجية التي يوفرها الديوان التونسي للتجارة. وتندرج هذه الإجراءات ضمن خطة استباقية تهدف إلى تجنّب الاضطرابات التي قد تنجم عن ارتفاع الطلب خلال شهر الصيام، حيث يتم التنسيق مع مختلف المتدخلين في منظومة الإنتاج والتوزيع، من فلاحين ومصنّعين وتجار جملة وتفصيل، لضمان استمرارية التزويد وتفادي أي نقص محتمل. وفي السياق ذاته، تم ضبط برنامج رقابي استباقي قبل حلول الشهر، يستهدف محاربة كل مظاهر الاحتكار والمضاربة وكل ما من شأنه أن يخلّ بعملية التزويد. كما أُقرّ برنامج رقابي خصوصي خلال شهر الصيام، عبر تسيير فرق رقابية مشتركة مع المصالح الأمنية للتدخل في مسالك الإنتاج والتخزين والنقل عبر الطرقات، إضافة إلى تركيز خلايا قارة بأسواق الجملة والتفصيل.  تسقيف أسعار ونقاط بيع من المنتج إلى المستهلك في ما يتعلق بمحور الأسعار، أعلنت الوزارة عن تسقيف الأسعار القصوى لبعض المنتوجات وتحديد هوامش الربح، إلى جانب دعم إحداث نقاط بيع قارة ومتنقلة من المنتج إلى المستهلك، وهي تجربة أثبتت نجاعتها الاقتصادية والاجتماعية خلال المواسم السابقة. وتهدف هذه النقاط إلى تقليص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك، بما ينعكس مباشرة على الأسعار ويحدّ من المضاربات. كما تمثل آلية لتعديل السوق عبر ضخ كميات إضافية بأسعار مدروسة في حال تسجيل ارتفاع غير مبرر. وفي الإطار نفسه، تنشط منظمات المجتمع المدني في جانب التوعية، حيث تعمل منظمة إرشاد المستهلك على تنفيذ برامج تحسيسية لترشيد السلوك الاستهلاكي وتعزيز وعي المواطن بدوره في معادلة العرض والطلب. ومن بين المبادرات المطروحة تطبيقة “قفتي”، التي تساعد المستهلك على ضبط حاجياته واقتناءاته وفق الأسعار المتداولة وبما يتماشى مع قدرته الشرائية، بما يحدّ من التبذير ويشجع على الاستهلاك المسؤول.  اللحوم الحمراء… أسعار خيالية ونقص في الإنتاج رغم الإجراءات الرقابية، تبقى اللحوم الحمراء في صدارة المواد التي تشهد توترا في الأسعار. فقد أكد أحمد العميري، رئيس غرفة القصابين بالاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، في تصريح إعلامي، وجود نقص فادح في الإنتاج المحلي من الضأن والأبقار. وأشار إلى أن الأسعار المتداولة بلغت مستويات خيالية ومقلقة، حيث تجاوز سعر “لحم العلوش” في بعض الجهات 65 دينارا للكيلوغرام، فيما بلغ لحم “البرشني” 58 دينارا، مع إمكانية تسجيل ارتفاع إضافي قد يتجاوز 70 دينارا للكيلوغرام في ظل نقص يقدّر بحوالي 35% في اللحوم المبرّدة الموردة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية. ولفت العميري إلى أن غرفة القصابين وجّهت مراسلات إلى وزارات التجارة والفلاحة واتحاد الفلاحين دون تلقي ردود، معبرا عن رفض المهنيين للأسعار المشطة التي تؤثر سلبا على نشاطهم. ووفق تقديراته، أغلق نحو 3 آلاف محل قصابة من أصل 9 آلاف منذ سنة 2018 إلى اليوم، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التزود. كما عبّر عن استعداد الغرفة لبيع اللحوم من الإنتاج المحلي دون هامش ربح في حال توفر الكميات الكافية، موجها نداء إلى رئاسة الجمهورية للتدخل والسماح بتوريد اللحوم عبر الشركات الخاصة أو شركة اللحوم، بهدف توفير كميات إضافية بأسعار تراعي إمكانات المواطن.  وفرة قياسية في اللحوم البيضاء ومشتقاتها في المقابل، تبدو صورة اللحوم البيضاء أكثر استقرارا. فقد أكد إبراهيم النفزاوي، رئيس الغرفة الوطنية لتجار الدواجن، أن إنتاج الدجاج خلال شهر رمضان بلغ حوالي 15,700 طن، وهو رقم قياسي مقارنة بالفترات السابقة، ما يضمن تلبية الطلب المرتفع. وأوضح أن المخزون متوفر في مختلف جهات الجمهورية، وأن التنسيق متواصل مع وزارة التجارة والإدارات الجهوية لضمان استمرارية التزويد. كما تم تحديد هوامش الربح في حدود 15 إلى 20%، رغم ارتفاع الطلب خلال ذروة الاستهلاك، وذلك تفاديا لأي زيادات غير مبررة في الأسعار. ودعا النفزاوي المواطنين إلى متابعة المعطيات الصادرة عن المصادر الرسمية، مؤكدا أن أي نقص في التزويد يتم التدخل الفوري لمعالجته عبر الإدارات الجهوية والمزودين المعتمدين، بما يحافظ على استقرار السوق. حملات أمنية ضد المخازن العشوائية والمسالخ المخالفة وفي إطار تشديد الرقابة على مسالك التوزيع، نفذت الوحدات الأمنية التابعة لـالإدارة العامة للأمن الوطني يوم 15 فيفري 2026 عمليات مراقبة استهدفت مخازن التبريد العشوائية والمسالخ المخالفة للقانون وأسواق الجملة والتفصيل بعدد من ولايات الجمهورية. وقد أسفرت هذه الحملات عن تحرير 63 محضرا اقتصاديا وعدليا، وتسجيل 16 مخالفة صحية، وتقديم 13 شخصا إلى القضاء، إلى جانب حجز كميات متفاوتة من المواد واللحوم غير الصالحة للاستهلاك والمعروضة بأسعار مشطة عبر مسالك توزيع غير رسمية. وأكدت المصالح الأمنية أن هذه العمليات لن تكون ظرفية أو مناسباتية، بل تندرج ضمن مقاربة متواصلة تهدف إلى تجسيد حرص الدولة على ضمان سلامة المنتوجات المعروضة، واستمرارية تزويد السوق، والتصدي لكل أشكال المضاربة والاحتكار التي تمسّ بالقدرة الشرائية للمواطن. بين وفرة ورقابة… التحدي في التوازن تعكس المعطيات الحالية صورة مركّبة للسوق خلال شهر رمضان: وفرة ملحوظة في بعض المواد على غرار الدواجن، مقابل توتر واضح في قطاع اللحوم الحمراء، في ظل نقص الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار. وبين مجهودات الدولة في الرقابة وتكوين المخزونات وتحديد هوامش الربح، ودور المهنيين في تأمين التزويد، ومسؤولية المستهلك في ترشيد سلوكه الشرائي، يبقى التحدي الأبرز هو تحقيق توازن فعلي بين العرض والطلب، بما يضمن استقرار الأسعار ويحمي القدرة الشرائية في فترة تتسم بارتفاع الاستهلاك. وفي انتظار تفاعل أوسع مع مطالب مهنيي قطاع اللحوم الحمراء، تظل أعين المستهلكين شاخصة نحو تطور الأسعار خلال الأيام القادمة، وسط آمال بأن تنجح الإجراءات المعلنة في كبح أي انفلات وضمان سوق أكثر انتظاما وعدلا.

Related posts

لبحث سبل الاستثمار في زيت الزيتون عبر الترويج والتثمين كونكت الدولية تستضيف وفد تركي ممثل لاكبر مجمع استثماري في الصناعات الغذائية في اطار البحث المستمر عن افاق ارحب للصادرات التونسية وتيسير الطريق امام الشركات التونسية في الوصول الى مختلف الاسواق الدولية

root

مرصد الدفاع عن مدنية الدولة يحذر من تنقيحات بمرسوم تنظيم الجمعيات

root

باجة- العثور على جثة الشاب حمزة

root

Leave a review