مبادرة البنك البريدي في اختبار الواقعية

قررت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب الشروع في دراسة مقترح القانون المتعلق بإحداث البنك البريدي، وهو مقترح أعيد طرحه إلى الواجهة بعد أن ظلّ لسنوات موضوع نقاش متقطّع دون أن يجد طريقه إلى التجسيد.

وأعادت المبادرة البرلمانية، التي تم تقديمها خلال شهر جويلية الماضي، فتح النقاش حول فكرة تحويل البريد التونسي إلى فاعل مالي محوري، قادر على لعب دور أساسي في دعم الإدماج المالي، خاصة لفائدة الفئات ذات الدخل الضعيف والمتوسط، التي ظلت لعقود خارج المنظومة البنكية، إما بسبب تعقيد الإجراءات، أو ارتفاع الكلفة، أو غياب التغطية الجغرافية.

ويُجمع متابعون على أن عودة هذا المقترح إلى جدول أعمال البرلمان لا تنفصل عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، والتي أضعفت من قدرة البنوك التجارية على الاضطلاع بدورها التقليدي في تمويل الاقتصاد وتوسيع قاعدة الخدمات المالية، في ظل تشدد شروط الإقراض وارتفاع نسب الفائدة وتزايد المخاطر. وفي هذا السياق، يطرح البنك البريدي باعتباره خيارا استراتيجيا قد يغيّر خارطة الخدمات المالية في تونس، إذا ما تم تنزيله وفق مقاربة واقعية ومتدرجة.

تفاصيل المبادرة

وتقترح المبادرة البرلمانية إحداث منشأة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، تحت مسمى “البنك البريدي”، تكون شركة متفرعة عن البريد التونسي، وتعمل وفق قواعد مصرفية مضبوطة، مع المحافظة على البعد الاجتماعي للمؤسسة الأم. ويهدف هذا البنك، وفق النص المقترح، إلى دعم الإدماج المالي عبر توفير منتجات وخدمات مالية لفائدة الفئات الاجتماعية غير المشمولة بالنظام البنكي القائم، وبشروط تفاضلية تراعي أوضاعها الاقتصادية.

ويبرز الفصل الثالث من المقترح أهمية استغلال الانتشار الجغرافي الواسع للبريد التونسي، من خلال وضع شبكة ممتدة من المكاتب والمقرات على ذمة الحرفاء، خاصة في المناطق الداخلية والريفية التي تعاني ضعفا أو غيابا شبه كلي للتغطية البنكية. ويُنظر إلى هذه النقطة باعتبارها أحد أهم عناصر القوة في المشروع، بالنظر إلى الثقة التاريخية التي يحظى بها البريد لدى المواطنين.

أما من حيث المهام، فيُسند إلى البنك البريدي المزمع إحداثه فتح الحسابات الجارية وحسابات الادخار، والتصرف في وسائل الدفع، وإنجاز التحويلات المالية، والصرف اليدوي والآلي، وصرف العملة الأجنبية وفق التشريع الجاري به العمل، إضافة إلى إسناد القروض والتصرف في الأموال الموضوعة على ذمته. وهي مهام تجعل منه، نظريا، بنكا كاملا لا مجرد مزود خدمات مالية محدودة.

ورغم الطابع الطموح للمبادرة، فإنها لم تمرّ دون إثارة نقاش داخل الأوساط الحكومية. وفي هذا الإطار، لفتت وزارة تكنولوجيات الاتصال سابقا إلى أنها لا تعارض الفكرة من حيث المبدأ، بل أبدت انفتاحا واضحا على تمكين البريد من تقديم خدمات بنكية، معتبرة أن الإشكال لا يتعلق بالمشروعية بل بالشكل الأمثل للتنفيذ.

وقد صرّح وزير تكنولوجيات الاتصال سفيان الهميسي، خلال جلسة عامة بالبرلمان في نوفمبر الماضي، بأنه لا يوجد خلاف حول دور البريد في تحقيق الإدماج المالي، مشيرا إلى ما تمتلكه المؤسسة من إمكانيات لوجستية وانتشار واسع يؤهلها للقيام بهذا الدور. غير أنه شدد في المقابل على أن النقاش يتمحور حول السيناريو الأنسب، سواء عبر إحداث بنك بريدي جديد، أو تحويل البريد إلى مؤسسة بنكية، أو الدخول في شراكة مع بنك قائم مع تمكين البريد من سلطة القرار داخله.

وجرى تأكيد هذا التوجه في رد كتابي قدّمته الوزارة في أفريل 2025، اعتبرت فيه أن مشروع البنك البريدي ملف استراتيجي يستوجب دراسة معمقة من قبل مختلف الهياكل المعنية، ضمن رؤية شاملة تراعي التوازنات المالية للدولة، والتوجهات الوطنية في القطاع البنكي، ومدى جاهزية البريد على المستويين القانوني والهيكلي، خاصة في ما يتعلق بقدرة المؤسسة على إسناد القروض والتعامل مع مخاطر الاستخلاص.

وفي هذا السياق، كشفت الوزارة عن خطوة عملية تمثلت في الترخيص للبريد التونسي بالمساهمة في رأس مال بنك تونس والإمارات، في إطار مقاربة تدريجية تسمح له بالتموقع داخل القطاع البنكي دون اللجوء إلى قفزات غير محسوبة. وتُقرأ هذه الخطوة باعتبارها اختبارا أوليا لقدرة البريد على التعامل مع منطق العمل البنكي ومتطلباته الرقابية.

فرصة و مخاطر

ويرى عدد من الخبراء أن تحويل البريد إلى بنك يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتوسيع قاعدة الخدمات المالية في تونس، خاصة في ظل وجود شريحة واسعة من المواطنين لا تمتلك حسابات بنكية ولا تتعامل مع المؤسسات المالية الرسمية. فالثقة المتجذرة في البريد، إلى جانب انتشاره في الجهات، قد تجعل منه أداة فعالة لدمقرطة الخدمات البنكية، ودفع فئات مهمشة إلى الاندماج في الدورة الاقتصادية الرسمية.

غير أن هذا التحول لا يخلو من مخاطر، إذ يحذر مختصون من أن البريد، في وضعه الحالي، لا يبدو جاهزا بالكامل للاضطلاع بدور مصرفي متكامل، سواء من حيث البنية التكنولوجية، أو الموارد البشرية، أو منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر. فالتحول إلى بنك يخضع لرقابة صارمة من البنك المركزي، ويتطلب استثمارات كبرى وتغييرات هيكلية عميقة.

كما يطرح ملف موارد الادخار التي يديرها البريد إشكالية إضافية، إذ تعتمد الدولة على هذه الموارد لدعم المالية العمومية، ما يجعل إعادة توجيهها نحو الإقراض مسألة حساسة سياسيا وماليا، وتتطلب توازنا دقيقا بين الدور الاجتماعي والاستقرار المالي.

وتبرز التجارب الدولية أن فكرة البنك البريدي قابلة للتنفيذ، لكنها مشروطة بالتدرج والجاهزية. ففي فرنسا، تم إنشاء بنك البريد سنة 2006، ليصبح لاحقا من بين المؤسسات المالية الكبرى. وفي المغرب، أُطلق “بريد بنك” سنة 2010، وحقق انتشارا واسعا خاصة في المناطق النائية. كما شرعت مصر بدورها في تحويل هيئة البريد إلى مؤسسة مالية متكاملة وفق مسار تدريجي.

وتؤكد هذه النماذج أن النجاح لا يتحقق بمجرد سنّ القوانين، بل يتطلب استثمارا كبيرا في البنية الرقمية، وتكوينا متقدما للإطار البشري، وضبطا دقيقا للإطارين القانوني والتنظيمي، إلى جانب توفر إرادة سياسية واضحة.

ويمكن القول ان مبادرة البنك البريدي تعد اختبارا حقيقيا لمدى القدرة على الجمع بين الطموح الاجتماعي والواقعية الاقتصادية. فإذا ما أُحسن تصميمها وتنفيذها، قد تتحول إلى رافعة حقيقية للإدماج المالي والتمكين الاقتصادي. أما إذا تم التعاطي معها بمنطق الاستعجال أو الشعارات من قبل النواب، فقد تصبح عبئا إضافيا على مؤسسة عمومية تواجه أصلا تحديات هيكلية و لن ترى النور حتى و ان جرت المصادقة.

Related posts

سنفرا يحي حفلا بالمركب الرياضي بقفصة

Ra Mzi

وزير النقل: “يجب القطع مع اساليب العمل التي سببت تدهور وضعية اسطول النقل”

Na Da

القصرين: إيداع رئيس بلدية سابق و 3 موظفين السجن

Leave a review