الافتتاحية:رمضان شهر تهذيب النفوس سلوكا واستهلاكا

محمد بن بشير

هل علينا امس شهر رمضان المعظم الشهر الذي تزدهر فيه قيم الرحمة والعطاء في أبهى صورها إنه شهر تتقارب فيه القلوب وتتوجه كلها الى خالقها نهارا بالصيام وليلا بالقيام وقراءة القران وفي المجمل بفعل الخيرات .

الا انه بمتابعة نبض الشارع يكاد يكون التركيز كله منصبا على البطون قبل الارواح والقلوب في اهمال كلي للمعنى الاول للصيام والغرض من فرضه وهو نبذ الشهوات بانواعها تقربا الى الله والاحساس بالفقراء وتغليب قيم التكافل والتقارب والتحابب .. ففي الشارع ترى العديد من المواطنين في غاية التوتر تحت تعلة انه “مرمضن” ويكاد يخاصم كل من يقترب منه راسما على وجهه كل ملامح الغضب والتبرم حتى يصبح كائنا “سريع الالتهاب” الواجب الابتعاد عنه مقدار دائرة قطرها عدة امتار تجنبا لمشاكله وفحش قوله وهذا نراه في الطرقات بين اصحاب السيارات وفي الاسواق بين الباعة والحرفاء وحتى في العائلات وكان الجميع به “مس من الشيطان”  .. كل ذلك تحت منطق “حشيشة رمضان” وكان هذه العادة السلبية التي ما انزل بها الصيام من سلطان ولا علاقة لها بفضائل هذا الشهر الكريم ولا بمقاصده .. فتكرر طيلة الهر الكريم حكايات “حشيشة رمضان” في تونس ولا تنضب الى إن ينتهي هذا الشهر ، وتتعدّد سيناريوهاتها وتتنوع أماكن تجسيدها من الأسواق إلى الشوارع ووسائل النقل والمخابز وحتى داخل المنازل. فتحت مسمّى “حشيشة رمضان”، يمكن أن يرتكب الفرد اعتداءات تصل أحيانًا إلى القتل، وفي اقل الحالات الاعتداء بالعنف على من تجد تصرفاته او حتى اقواله هوى في نفس “المحشش” او “المرمضن” وفي خم ذلك يسمع المواطنون الكثير من فحش الاقوال والسباب المقذع وفي كثير من الاحيان يكون السبب تافها وبعد إن يعود “شاهد العقل” الى مرتكب تلك الفضاعات يستغرب من تصرفاته ويلوم نفسه حد التقريع على ما ارتكبه في حق غيره ممن وضعه حظه السيء في طريقه.

اضافة الى مسالة التوتر غير المبرر والمنتظر خلال شهر رمضان بسبب “الحشيشة” انحصر الحديث قبل اسابيع من حلول الشهر الكريم عن المواد الغذائية ومدى توفرها واسعارها وغير ذلك وان كانت هذه الامور من حق المواطن الذي تكثر “شهواته” في رمضان ويريد تلبيتها عبر تاثيث مادته بكل ما لذ وطاب الا اته لا يجب الافراط في ذلك بشكل يصل الى “اللهفة” التي طالما الهبت الاسعار ومكنت المحتكرين والمضاربين من مد ايديهم الى جيوب المواطنين لـ”يلهفوا” منها ما يفوق سعر عديد المنتجات بشكل واضح مستغلين حالة اللهث وراء تلبية الشهوات باقتناء كل ما “يحلو في العين” ليكون المواطن ضحية و”جلادا” في نفس الوقت فهو سهل على المحتكرين ايغالهم في النهب لانه لم “يفرمل” شهواته ولم يمنع نفسه من اقتناء ما يشتهيه حتى وان كان سعره فوق المنطقي بكثير ولو تحلى الجميع بالصبر والتحكم في النفس لما مال بعض التجار الى الاحتكار والمضاربة ليقينهم إن بضائعهم لن يشتريها احد مادامت اسعارها فوق المحدد.

إن شهر رمضان هو مناسبة ربانية تتوحد فيه الجهود لإحياء روح التكافل الاجتماعي، حيث تُستنهض أسمى معاني الإنسانية والتآزر. ويعلمنا رمضان أن قوة الأمة الحقيقية تكمن في تماسك أفرادها، وأن السعادة العميقة تُولد من عطاءٍ يُخفف عن الآخرين معاناتهم. في هذا الشهر الفضيل، تُتاح الفرصة لبناء مجتمع أكثر تلاحماً ورحمة، مستنداً إلى التكافل الاجتماعي الذي يُعد من أعظم مبادئ الإسلام. هذا التكافل يشكل الأساس لمجتمع مترابط يقوم على التعاون والتراحم، ويُعزز أواصر المحبة وروح الإخاء بين الجميع.

رمضان ليس مجرد شهر نطلق فيه العنان لبطوننا لتتحكم في عقولنا ، بل هو رحلة روحانية فريدة تعيشها القلوب قبل الأجساد. إنه ذلك الوقت من العام الذي تتحول فيه الأيام العادية إلى محطات غنية بالسكينة والارتقاء الروحي. يبدأ اليوم الرمضاني بساعات السحور، حيث يسود هدوء الفجر وتُشحذ النفوس بنية الصيام. هذا المشهد البسيط في ظاهره يحمل في داخله عمقاً روحانياً عظيماً، يجمع الأسر حول مائدة واحدة في لحظات تقوي الروابط بينهم وتجدد العزيمة لبداية يوم مليء بالبركة.

ومع مرور ساعات الصيام، يجب إن يتزايد الشعور بالانضباط والصبر. هذه التجربة اليومية تُعلمنا أن الجوع والعطش ليسا نهاية المطاف، بل هما نافذة للتعاطف مع الآخرين الذين يعيشون هذا الواقع بشكل دائم. ومع مغيب الشمس، تُقرع الأذان لتنادي الجميع للإفطار، وهو لحظة مفعمة بالألفة والمحبة حيث يجتمع الأهل والجيران والأصدقاء حول موائد مليئة بالخير.

يجب إن لا ننسى انه في شهر رمضان، تتجلى قيم التراحم والتكافل الاجتماعي في أبهى صورها، حيث يصبح القلب أكثر ليناً والروح أكثر قربًا من معاناة الآخرين. هذا الشهر الكريم يزرع فينا إحساساً عميقاً بالآخر لان الصيام محمول عليه إن يُذكرنا بأن هناك من يعاني الجوع طوال العام، مما يزرع في قلوبنا الرحمة والإحساس بالمسؤولية تجاههم.

شهر رمضان هو فرصة ذهبية لتطبيق تعاليم الإسلام السمحة التي تُرسخ قيم التراحم والتكافل بين أفراد المجتمع والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وضعا التكافل الاجتماعي في منزلة عظيمة، حيث حثّا على التعاون، الإحسان، وإغاثة المحتاجين.

إن شهر رمضان بريء مما يقترفه البعض من كسل وخمول وتأخر عن العمل ولهفة في الاستهلاك وتعكر في الحالة المزاجية وارتفاع العصبية والتوتر وهو شهر ترشد النفقات والاستهلاك لا الافراط فيهما الى حد الإسراف أو التبذير لتجنب تراكم الديون وزيادة الأعباء المالية.

يجب إن يعي الجميع إن شهر رمضان فرصة لتهذيب النفس وتدريبها على التسامح والعفو والانفاق باعتدال ساعتها سيربح الجميع دنيا وآخرة.                                            

Related posts

أكرم الزريبي: كرة القدم تحوّلت من فسحة تنافس إلى فتنة اجتماعية… فأين العقلاء؟

الطبيب الخاص لنور الدين البحيري: حياته في خطر شديد ولن يستطيع الصمود لأيام قادمة

root

الافتتاحية: حماية الطفولة مسؤولية الجميع

صابر الحرشاني

Leave a review