بسبب انهيار المنظومة وتعاظم ظاهرة الربح السريع…التونسي محروم من اللحوم

يؤكد الارتفاع المتصاعد لاسعار اللحوم الحمراء وجود ازمة عميقة تضرب واحدة من اهم السلاسل الانتاجية في البلاد أكدها شهر رمضان، حيث بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الضأن في عدد من الاسواق اسعارا تجاوزت الخمسين دينارا.

تفسيرات متباينة لمعاناة المستهلك

و بينما اصبح المواطن التونسي شبه محروم من استهلاك اللحوم الحمراء ، يقدم كل طرف تفسيره لما يحدث، فمن جهتهم  يؤكد مربو الاغنام انهم اول المتضررين، ويشيرون الى ان كلفة الانتاج ارتفعت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الاخيرة حيث شهدت الاعلاف، التي يمثل جزء هام منها مواد موردة، زيادات متتالية نتيجة ارتفاع الاسعار العالمية وتراجع قيمة الدينار، كما يتحدثون عن سنوات جفاف متتالية اثرت في المراعي الطبيعية ورفعت الاعتماد على الاعلاف المركزة، ما ضاعف الكلفة.

ويضيف بعضهم ان غياب الدعم الكافي وصعوبة النفاذ الى التمويل البنكي يدفعان عددا من صغار المربين الى التفريط في جزء من القطيع او مغادرة النشاط نهائيا.

اما القصابون و التجار فانهم يبررون ارتفاع الاسعار بارتفاع كلفة الشراء من الاسواق الاسبوعية ومن المسالخ، ويؤكدون ان هامش الربح تقلص امام المصاريف المتزايدة للنقل والطاقة واليد العاملة، كما يشيرون الى ان الطلب يرتفع بشكل ملحوظ في رمضان، وهو ما يضغط على الكميات المعروضة ويدفع بالسعر صعودا وفق قاعدة العرض والطلب.

وتتحدث منظمات حماية المستهلك عن وجود حلقات مضاربة واضحة داخل مسالك التوزيع، وتؤكد ان تعدد الوسطاء بين المربي والمستهلك النهائي يرفع السعر تدريجيا دون ان يستفيد المنتج بالقدر نفسه، كما تشير الى ضعف الرقابة في بعض الفترات، ما يسمح بتجاوز الاسعار المرجعية وتحقيق ارباح سريعة على حساب القدرة الشرائية.

في المقابل تقر سلطة الاشراف المتمثلة في وزارة التجارة والهياكل التابعة لها بوجود ضغط على المنظومة، وتربط جزءا من الاشكاليات بتراجع القطيع الوطني، كما تشير ارقام وزارة الفلاحة الى انخفاض في عدد رؤوس الاغنام والابقار خلال السنوات الاخيرة نتيجة الجفاف وارتفاع الكلفة، وهو ما انعكس على حجم الانتاج، كما تؤكد الجهات الرسمية انها لجات في فترات معينة الى توريد كميات من اللحوم المبردة لتعديل السوق، لكنها تقر بان التوريد يظل حلا ظرفيا لا يعالج جذور المشكلة.

وبين هذه المواقف المختلفة، يبدو واضحا ان الازمة متعددة الاسباب، فصحيح ان كلفة الانتاج ارتفعت فعلا، وصحيح ان الجفاف لعب دورا ضاغطا، لكن من الصحيح ايضا ان مسالك التوزيع تعاني من اختلالات مزمنة، وان غياب الشفافية في تحديد الاسعار يفتح الباب امام ممارسات غير منضبطة والراي الموضوعي يقتضي الاعتراف بان الجميع يتحمل جزءا من المسؤولية، وان تحميل طرف واحد كل العبء لا يساعد على بناء حلول عملية.

منظومة انتاج عليلة واختلالات هيكلية متراكمة

ويبدو ان جوهر المشكلة يتجاوز الجدل الظرفي حول اسعار اللحوم الحمراء في رمضان، حيث تشكو المنظومة الانتاجية للحوم عللا متراكمة منذ سنوات. اولها ان قطاع تربية الماشية يعتمد بدرجة كبيرة على صغار المربين الذين يفتقرون الى امكانيات التخزين والتسمين الحديثة، ويظلون عرضة لتقلبات المناخ والسوق.

ومن جهة ثانية لم تواكب سياسات الدعم التحولات المناخية والاقتصادية، فبقيت الاعلاف رهينة التوريد والاسعار العالمية، دون تطوير بدائل محلية كافية، كما تعاني مسالخ ومراكز تجميع من نقص في التحديث والتجهيز، ما يحد من مردودية السلسلة ككل.

كما ان ضعف التنظيم داخل مسالك التوزيع يضاعف الاشكال، فبين المربي والسوق النهائية تتعدد الحلقات، ويصعب تتبع السعر في كل مرحلة، ويفتح هذا التفكك المجال امام المضاربة ويقلص من قدرة الدولة على التدخل الناجع، يضاف الى ذلك غياب مخزونات استراتيجية للحوم الحمراء تسمح بتعديل السوق في فترات الذروة، على غرار ما يحصل في قطاعات اخرى.

تراجع الاستهلاك ومخاوف عيد الاضحى

وقد انعكس هذا الوضع مباشرة على استهلاك التونسيين وبناء على معطيات رسمية منشورة خلال السنوات الاخيرة، كان معدل استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء يناهز 12 الى 13 كيلوغراما سنويا في بداية العقد الماضي، قبل ان يتراجع تدريجيا ليبلغ في السنوات الاخيرة حدود 8 كيلوغرامات او اقل للفرد سنويا، مع تفاوت واضح بين الجهات والفئات الاجتماعية وهذا التراجع لا يعكس تغيرا اختياريا في النمط الغذائي بقدر ما يعكس تآكل القدرة الشرائية. في المقابل، ارتفع الاعتماد على لحوم الدواجن باعتبارها اقل سعرا، رغم انها بدورها شهدت زيادات متكررة.

ومن الواضح ان اللحوم الحمراء تحولت من مادة غذائية اساسية الى منتج شبه كمالي لدى فئات واسعة من التونسيين، فكثير من العائلات اصبحت تقتني كميات محدودة جدا في المناسبات فقط، او تستغني عنها بالكامل وهذا التحول له انعكاسات صحية واجتماعية، اذ يرتبط التوازن الغذائي بتنوع مصادر البروتين، كما يرتبط الاستقرار الاجتماعي بقدرة الاغلبية على تامين احتياجاتها الاساسية.

ومع اقتراب عيد الاضحى، تتصاعد المخاوف من سيناريو اكثرتعقيدا، فاذا تواصل الضغط على القطيع الوطني وارتفعت كلفة التسمين، فان اسعار الاضاحي قد تبلغ مستويات غير مسبوقة قد تجعل شراء الاضحية عملية شبه مستحيلة لشرائح واسعة، او حكرا على فئات قادرة ماليا.

وامام هذا الواقع، تطرح جملة من الحلول على المدى القصير والمتوسط والبعيد، فعلى المدى القصير، يمكن تعزيز الرقابة على مسالك التوزيع وتكثيف فرق المراقبة الاقتصادية للحد من المضاربة والتجاوزات الواضحة. كما يمكن اللجوء بشكل مدروس الى توريد كميات محدودة لتعديل السوق في الفترات الحساسة، مع الحرص على عدم الاضرار بالمنتج المحلي، ويمكن ايضا دعم الاعلاف ظرفيا لتخفيف الضغط عن المربين خلال المواسم الصعبة.

اما على المدى المتوسط، يفرض الاصلاح اعادة هيكلة مسالك التوزيع عبر تقليص عدد الوسطاء وتنظيم اسواق الجملة وتحديث المسالخ، كما يتعين تطوير برامج دعم موجهة لصغار المربين، يتجاوز خطوط التمويل المحدودة التي يقع اقرارها في قوانين المالية وتشمل تسهيلات تمويلية وتامينات ضد المخاطر المناخية، وتشجيع بعث تعاونيات تمكنهم من التفاوض بشكل افضل داخل السوق.

اما على المدى البعيد، فلا مفر من تبني استراتيجية وطنية متكاملة للثروة الحيوانية، تقوم على تحسين السلالات، وتطوير زراعة الاعلاف محليا للحد من التبعية للتوريد، والاستثمار في البحث العلمي والتكوين. كما ينبغي ادماج التكنولوجيا في تتبع القطيع وتنظيم الانتاج، بما يعزز الشفافية ويقلص من الفاقد.

ولا تختزل ازمة اللحوم في رقم يرتفع خلال رمضان او في موسم عيد بل هي مرآة لاختلالات هيكلية تراكمت بصمت، الى ان وصلت الى موائد التونسيين ويبدو ان معالجة هذا الملف تقتضي عمقا في الاصلاح، حتى لا يبقى التونسي محروما من مادة كانت الى وقت قريب جزءا عاديا من يومياته.

Related posts

صفاقس: تسجيل 30 إصابة جديدة بفيروس كورونا

root

رئيسة الوزراء الإيطالية تزور تونس اليوم

بوسالم : رشق حافلة عمال بالحجارة وحالة من الهلع بسبب مجهولين

root