بسبب أزمة المستحقات المالية…اضراب الحكام يكشف وجها اخر لازمة كرة اليد التونسية

محمد الدريدي 

تعيش كرة اليد التونسية هذه الأيام على وقع أزمة غير مسبوقة، عنوانها الأبرز إضراب الحكّام عن إدارة المباريات بسبب عدم حصولهم على مستحقاتهم المالية. الخبر في حد ذاته ليس جديدًا على المشهد الرياضي التونسي، فقد اعتدنا بين الفينة والأخرى على احتجاجات هنا وهناك، لكن ما يجعل هذه الواقعة مختلفة هو الملابسات المحيطة بها، والأسئلة الثقيلة التي طرحتها على الرأي العام الرياضي، وعلى كل من يعنيه مستقبل لعبة كانت يومًا فخرًا وطنياً.

القضية في ظاهرها تبدو بسيطة حكّام يطالبون بأجورهم. غير أن التفاصيل تكشف تعقيدات أكبر. فالجامعة، وفق ما يُتداول، تتسلّم مستحقات الحكّام مسبقًا قبل كل مباراة، وفي حال عدم تحويل تلك المبالغ، تُسلّط عقوبات رياضية على الفرق قد تصل إلى اعتبارها منهزمة. أي أن الأموال، من الناحية الإجرائية، متوفّرة ومحصّلة. هنا يبدأ السؤال المحوري إذا كانت المستحقات قد جُمعت وأُودعت، فما الذي عطّل وصولها إلى أصحابها؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بملف مالي عابر، بل يضرب في عمق الثقة بين مكونات اللعبة فالحكم ليس عنصرًا ثانويًا في المنظومة الرياضية، بل هو ركيزة من ركائزها ومن غير المعقول أن يُطلب منه إدارة مباريات تتطلب تركيزًا ذهنيًا عاليًا ولياقة بدنية وانضباطًا صارمًا، في حين يظل حقه المادي معلّقًا بين المكاتب والقرارات.

والأدهى أن الأموال، وفق ما يُقال، تُودع باسم الحكّام أنفسهم. فإن صحّ ذلك، فالإشكال يصبح أكثر خطورة. لأن المال حين يُرصد لغرض محدد، يصبح له عنوان واضح لا يجوز تغيير وجهته. هذا مبدأ أساسي في أي تصرّف مالي سليم: كل مليم له وظيفة، وكل اعتماد مخصّص لبند معيّن لا يُصرف في غيره. فإذا تمّ تعطيل تلك المستحقات أو إعادة توجيهها، فالأمر يتجاوز مجرد تأخير إداري ليصل إلى شبهة سوء تصرف بيّن.

الجامعة من جهتها تؤكد أن الأمور على أحسن ما يرام، وأن الوضع تحت السيطرة. بعض المدافعين عنها يذهبون أبعد من ذلك، فيصفون الموسم بالناجح والموارد بالمتوفرة. لكن الوقائع على الأرض تقول شيئًا آخر. فلو كانت الأمور “عال العال” كما يُروّج، لما وصلنا إلى مرحلة إعلان الإضراب، ولما تعطّلت المباريات، ولما اهتزّت صورة اللعبة أمام جمهورها.

والمفارقة المؤلمة أن من يطالب بحقه يُصوَّر أحيانًا كأنه صاحب تجاوز أو كأنه يسعى إلى تعطيل المرفق العام. والحال أن المطالبة بالحق ليست خروجًا عن الإجماع، بل هي جوهر العدالة. من يُناصر الحكّام في تحرّكهم لا يفعل ذلك بدافع الاصطفاف، بل انطلاقًا من مبدأ بسيط: الحق واضح، والباطل واضح، وأي خلط بينهما إنما يسيء إلى المنظومة بأكملها. الأزمة الحالية تكشف كذلك خللاً أعمق في علاقة الجامعة بمحيطها. لطالما رُفع شعار “التناغم” بين مختلف الأطراف: أندية، حكّام، لاعبين، وزارة، وجمهور. لكن التناغم لا يكون بالخطابات، بل بالفعل. حين يشعر أقرب المتعاونين، وأهمهم في ضمان سير المباريات، بأنهم مهمّشون أو أن حقوقهم مؤجّلة، فإن الحديث عن الانسجام يصبح مجرّد شعار بلا مضمون.

ولعل أخطر ما في المشهد هو تأثير هذه الأزمة على صورة كرة اليد التونسية، التي كانت لسنوات عنوانًا للنجاح القاري والدولي. الجميع يتذكر المشاركة التاريخية في بطولة العالم التي احتضنتها تونس، والتي مثّلت لحظة فخر واعتزاز وطني. تلك النجاحات لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة عمل جماعي شارك فيه مكتب جامعي ووزارة وأطر فنية وإدارية. اليوم، في ظل هذا التوتر، يبدو وكأننا نبتعد عن ذلك النموذج.

أين ذهبت الأموال !؟

التساؤل المطروح بإلحاح أين ذهبت الأموال؟ وبأي حق تم تغيير وجهتها إن كان ذلك قد حصل؟ وهل هناك شفافية كافية لطمأنة الرأي العام الرياضي؟ الصمت، في مثل هذه الحالات، لا يخدم أحدًا. بل إن الغموض هو الوقود الذي يُغذي الشكوك ويعمّق الهوة بين الأطراف. ومن زاوية قانونية وأخلاقية، المال المخصّص للحكّام يُعدّ حقًا مكتسبًا بمجرد أداء المهمة. وأي تأخير غير مبرر في صرفه يضع الجهة المسؤولة أمام مساءلة مشروعة. أما إذا ثبت أن هناك إعادة توظيف لتلك الأموال في غير ما رُصدت له، فالأمر يستدعي تدقيقًا ماليًا دقيقًا يحدد المسؤوليات بوضوح، بعيدًا عن المزايدات أو تصفية الحسابات.

 البعض يذهب إلى أبعد من ذلك، داعيًا إلى حلّ المكتب الجامعي كحل جذري للأزمة. هذا الطرح، وإن بدا للبعض متطرفًا، يعكس حجم الاحتقان وفقدان الثقة. حين تصل الأمور إلى حدّ المطالبة بـ”الحل في الحل”، فإن الرسالة واضحة: هناك من يرى أن الإصلاح من الداخل لم يعد ممكنًا، وأن التغيير الشامل بات ضرورة. غير أن أي قرار في هذا الاتجاه يجب أن يُدرس بعناية، لأن الاستقالة أو الحلّ ليسا غاية في حدّ ذاتهما، بل وسيلة لإعادة البناء. المطلوب ليس مجرد إزاحة أشخاص، بل إعادة هيكلة منظومة، وترسيخ قواعد حوكمة واضحة، وضمان آليات رقابة مالية شفافة تمنع تكرار مثل هذه الأزمات.

هل تكون الازمة بداية التصحيح ؟

هنا يبرز دور الوزارة المشرفة، التي تبقى الجهة المخوّلة قانونيًا لمتابعة مدى احترام القوانين الأساسية والتصرف السليم في الموارد. تدخلها، إن حصل، يجب أن يكون في إطار القانون، وبهدف إعادة الأمور إلى نصابها، لا لإضافة طبقة جديدة من الصراع. كرة اليد التونسية لا تحتمل مزيدًا من العثرات. فالمنافسة القارية تزداد شراسة، والمنتخبات الأخرى تستثمر في البنية التحتية والتكوين والحوكمة. وإذا انشغلنا بصراعات داخلية حول مستحقات أساسية، فإننا نضيّع الوقت والجهد في معارك جانبية.

الأزمة الحالية يمكن أن تتحول إلى فرصة، إذا تم التعامل معها بشجاعة وشفافية. الاعتراف بالخطأ، إن وُجد، فضيلة. وإعلان إجراءات تصحيحية واضحة، مع جدول زمني لصرف المستحقات وتسوية الوضعيات العالقة، سيكون رسالة طمأنة قوية. أما المكابرة أو التقليل من شأن المشكلة، فلن يزيد الوضع إلا تعقيدًا.

وفي النهاية، الحكم الذي يطالب بأجره ليس خصمًا لأحد، بل شريك في إنجاح اللعبة. اليوم، كرة اليد التونسية أمام مفترق طرق. إما أن تختار طريق الإصلاح الصريح، فتُعيد الحقوق إلى أصحابها، وتُرمم الثقة، وتستعيد بريقها الذي صنعته عبر عقود. وإما أن تستمر في دوامة الإنكار والتبرير، فتتآكل من الداخل تدريجيًا.

الزمن كفيل بكشف الحقائق، لكنه لا ينتظر المترددين. ومن يتحمّل المسؤولية اليوم، عليه أن يعي أن التاريخ لا يذكر الشعارات، بل المواقف. وذرة شجاعة قد تغيّر مسار مرحلة كاملة.

بين الإضراب والإنكار، وبين الحق والجدل، تبقى الحقيقة بسيطة لا يمكن أن تبنى رياضة ناجحة على حقوق مؤجلة. وإذا كان الحل في الحلّ، كما يردّد البعض، فإن الحل الأعمق هو في الشفافية والمحاسبة وإعادة الاعتبار لكل من يخدم اللعبة، من اللاعب إلى الحكم، ومن الإداري إلى المشجع.

عندها فقط يمكن أن نقول إن الأزمة كانت بداية تصحيح، لا بداية انحدار.

Related posts

برنامج النّقل التّلفزي لكلاسيكو الإفريقي و النّجم السّاحلي

فتح الباب لتقديم الترشح لتدريب المنتخب الوطني للأكابر

Ra Mzi

الجولة 20 من البطولة: صراع في سليمان، رهان في باجة وكل الاحتمالات واردة في المتلوي