في يومٍ قائظ، خرج النبي مع أصحابه في سفر، وكان معهم رجل يُدعى جابر بن عبد الله رضي الله عنه، شابٌ من الأنصار، يحمل في قلبه حزنًا لا يراه أحد، لكنه كان يمشي خلف الركب، متأخرًا، على دابةٍ بطيئة، لا تكاد تُجاري السير.
رآه النبي من بعيد، فعاد إليه، ووقف بجانبه، وسأله بلطفٍ لا يُخطئه القلب: ما لك يا جابر؟ فقال جابر بصوتٍ فيه كتمان: توفي أبي، وترك لي أخواتٍ، وأنا أعولهن.
لم يسأله النبي عن التفاصيل، ولم يُثقل عليه باللوم، بل نظر إلى دابته، فرآها ضعيفة، فقال: أتبيعنيها؟ تفاجأ جابر، وقال:
هي لك يا رسول الله .. قال : بل بعني إياها فباعه إياها، ومشى النبي معه، ثم قال له: هل تزوجت؟ قال جابر: نعم
فقال مبتسمًا: بكر أم ثيب؟ قال جابر: ثيب يا رسول الله، عندي أخوات، فأحببت من تقوم عليهن .. فقال النبي :أصبت، بارك الله لك.
ثم لما وصلوا المدينة، أمر له النبي بثمن الدابة، وزاد عليه، ثم ردّها إليه، وقال:خذ دابتك، وثمنها اذ لم يكن المال هو المقصود، ولا الدابة هي الغاية، بل كان ﷺ يرى في جابر قلبًا مثقلًا، فأراد أن يُفرّج عنه، بكلمة، وبسؤال، وبموقفٍ لا يُنسى.
هكذا كان النبي … يرى من يتأخر، فيعود إليه، يسأل عن حزنه، فيجبره، ويشتري منه ليعطيه، ويُمازحه ليُفرحه،
ويُعيد له دابته ليُكرمه، ويُبارك له زواجه ليُثبّته.
