[wpadcenter_ad id=78362 align='none']

افتتاحية / حينما يتحوّل اللعب الى مخاطر

ما ان ينتصف رمضان ويقترب عيد الفطر يطل علينا مشهد بات مألوفا ومقلقا في الان ذاته. اصوات انفجارات صغيرة تمزق سكون الاحياء، واطفال ومراهقون يركضون في الازقة وهم يشعلون مفرقعات تعرف باسم ”الفوشيك” غير عابئين بخطرها ولا بانعكاساتها على سلامتهم وسلامة غيرهم. ما كان في الماضي سلوكا محدودا في اطار احتفالي ضيق تحول اليوم الى ظاهرة واسعة تعكس خللا في منظومة القيم وفي ادوار التنشئة داخل العائلة والمجتمع.

وانتشار هذه المفرقعات لم يعد مجرد لعبة عابرة او تقليد موسمي، بل صار ممارسة يومية في بعض الاحياء، تترافق مع نوع من التباهي والتحدي بين الناشئة. تتعالى الاصوات في ساعات متاخرة من الليل، ويختلط الخوف بالانزعاج في نفوس كبار السن والمرضى والرضع، بينما يعتبر البعض الامر شكلا من اشكال المرح او اثبات الذات. غير ان خلف هذا المشهد تكمن اسئلة عميقة حول معنى الحرية وحدودها، وحول دور الاسرة في التوجيه، وحول مسؤولية المجتمع في حماية افراده من سلوكيات قد تبدو بسيطة لكنها تنطوي على مخاطر حقيقية.

و”الفوشيك” هو مواد قابلة للاشتعال والانفجار، يمكن ان تتسبب في حروق خطيرة او اصابات في العين او اليد، وقد تؤدي في بعض الحالات الى اندلاع حرائق في المنازل او المحلات او السيارات. ومع ذلك يصر عدد من الاطفال والشباب على استعمالها في الشوارع والفضاءات العامة دون رقابة او وعي بالعواقب. هذا الاصرار لا ينشا من فراغ، بل يتغذى من ثقافة استهلاكية تشجع على الاثارة والضجيج، ومن ضعف في التوجيه الاسري، ومن غياب حملات توعوية مستمرة تشرح المخاطر بلغة يفهمها الجيل الجديد.

واللافت ان الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بالمناسبات الدينية او الوطنية، بل امتدت الى ايام عادية، حتى صارت بعض الاحياء تعيش على وقع انفجارات متقطعة تكسر السكون وتثير الهلع. هناك من يعتبر الامر تعبيرا عن فرح عفوي، لكن الفرح الذي يقوم على ازعاج الاخرين وتعريضهم للخطر لا يمكن ان يكون بريئا. هو سلوك هجين يجمع بين الرغبة في اللهو وبين نزعة عدوانية خفية، وقد يعكس شعورا بالكبت او البحث عن لفت الانتباه في بيئة تفتقر الى بدائل ثقافية ورياضية جاذبة.

و من السهل تحميل المسؤولية للسلطات ، لكن الحقيقة ان المسؤولية الاولى تبدا داخل البيت حيث ان العائلة هي المدرسة الاولى للقيم، وهي التي تغرس في الطفل معنى احترام الاخرين والحرص على سلامتهم. عندما يشتري الاب لابنه مفرقعات بدعوى ادخال السرور عليه دون ان يشرح له مخاطرها، فهو يبعث برسالة ضمنية مفادها ان المتعة تبرر المخاطرة وان ازعاج الجيران امر يمكن التغاضي عنه. وعندما تتساهل الام في مراقبة ما يجلبه ابنها من مواد قابلة للاشتعال، فانها تساهم من حيث لا تدري في تكريس سلوك قد ينقلب الى كارثة.

والحديث عن الدور الاخلاقي للعائلة لا يعني خطابا وعظيا تقليديا، بل يعني استعادة مفهوم المسؤولية المشتركة. الطفل لا يولد مدركا لحدود اللعب ولا لمفهوم السلامة العامة، بل يتعلم ذلك بالتدرج من خلال الحوار والمرافقة والقدوة الحسنة. اذا راى في بيته احتراما للجار وللحي وللقانون، فانه سيستبطن هذه القيم. اما اذا لمس تساهلا او استهتارا، فانه سيعيد انتاجه في سلوكه اليومي.

والى جانب الدور الاخلاقي يبرز بعد سياسي بالمعنى الواسع للكلمة، اي بالمعنى المتعلق بتنظيم العيش المشترك. العائلة ليست كيانا معزولا عن المجتمع، بل هي نواة تشكل وعي المواطن المقبل. عندما تغرس في ابنائها فكرة ان الفضاء العام ملك للجميع وان الحفاظ عليه واجب، فانها تساهم في بناء مواطن يحترم القانون ويقدر السلم الاجتماعي. اما عندما تتركهم يتعاملون مع الشارع باعتباره مساحة مفتوحة للتجريب دون ضوابط، فانها تضعف اسس العيش المشترك.

ومن المهم ايضا فهم دوافع الناشئة نحو هذا السلوك. كثير من الاطفال والمراهقين يبحثون عن الاثارة وعن تجربة شعور بالقوة والسيطرة. صوت الانفجار يمنحهم لحظة من الاحساس بالقدرة على لفت الانتباه وعلى كسر الرتابة. في بيئة قد تفتقر الى فضاءات ترفيه امنة او انشطة ثقافية ورياضية منظمة، تصبح المفرقعات بديلا سهلا ورخيصا. هنا تتقاطع مسؤولية العائلة مع مسؤولية المجتمع المحلي في توفير بدائل حقيقية تشبع حاجات الشباب الى التعبير والمغامرة في اطار امن.

ولا يمكن اغفال الجانب الصحي والنفسي لهذه الظاهرة. اصوات الانفجارات المتكررة قد تثير الهلع لدى الاطفال الصغار، وتسبب توترا لدى كبار السن والمرضى، وقد تعيد الى بعض الاشخاص ذكريات مؤلمة مرتبطة بالعنف او الحروب. المجتمع الذي يستهين بهذه الاثار هو مجتمع يهمش معاناة فئات ضعيفة لصالح نزوة عابرة. من هنا تبرز ضرورة نشر ثقافة التعاطف والوعي بان الفضاء العام يشترك فيه الجميع بمختلف حساسياتهم وظروفهم.

المدرسة بدورها معنية بالتصدي لهذه الظاهرة عبر برامج توعوية تشرح مخاطر المفرقعات بلغة مبسطة، وتربط بين السلوك الفردي ونتائجه الجماعية. غير ان المدرسة لا تستطيع وحدها ان تقوم بالمهمة اذا لم تجد دعما من الاسرة. التلميذ الذي يسمع في القسم تحذيرا من استعمال الفوشيك ثم يجد في البيت تشجيعا ضمنيا او صريحا سيقع في تناقض يضعف الرسالة التربوية.

Related posts

الافتتاحية- الأزمة أوسع من غرفة الـ”VAR”

صابر الحرشاني

الافتتاحية: حماية الطفولة مسؤولية الجميع

صابر الحرشاني

الافتتاحية/ مجلة الصرف بين ضرورات التحرير وهواجس التوازن

صابر الحرشاني