[wpadcenter_ad id=78362 align='none']

ارتدادات الحرب في ايران على تونس ….تأثيرات اقتصادية مؤكدة

تبدو بلادنا جغرافيا بعيدة عن دائرة الحرب في إيران، غير أن الاقتصاد العالمي لا يعترف كثيرا بالمسافات، وسوق الطاقة تحديدًا يُدار بمنطق الصدمات المتسلسلة ىو لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الحرب ستؤثر على تونس، بل إلى أي مدى، وعبر أي قنوات، وبأي كلفة.

ومن المعلوم ان بلادنا مستورد صافٍ للطاقة، وهو ما يجعلها عرضة لأي اضطراب في أسعار النفط أو الغاز، وقد بُني قانون المالية لسنة 2026 على فرضية معدل سعر نفط في حدود 69.9 دولارا للبرميل، وهذه الفرضية كانت معقولة نسبيًا في سياق استقرار نسبي للأسواق، لكنها تصبح هشّة أمام تصعيد عسكري في منطقة تُنتج جزءا كبيرا من النفط العالمي.

وقد شهدت الأسعار بالفعل قفزات مهمة، إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى مستويات فاقت 82 دولارًا قبل أن تتراجع جزئيًا إلى نحو 78 دولارا و هذه الأرقام، وإن بدت تقنية، تحمل دلالات مالية ثقيلة. فكل زيادة بدولار واحد في السعر العالمي للنفط تُكلف ميزانية الدولة حوالي 164 مليون دينار إضافية وفق الخبراء.

و إذا استقرت الأسعار في حدود 80 دولارا لبقية السنة، فإن المعدل السنوي قد يرتفع إلى نحو 77.9 دولارًا، أي بزيادة تقارب 14.6 دولارا عن الفرضيات الأصلية.و هذه الفجوة تُترجم إلى كلفة إضافية تناهز 2.3 مليار دينار حيث ان رقم بهذا الحجم لا يمكن امتصاصه بسهولة في ميزانية تعاني أصلًا من ضغوط مزمنة.

دعم المحروقات… معادلة صعبة

و تقدر ميزانية دعم المحروقات لسنة 2026 بنحو 4993 مليون دينار، أي قرابة 5 مليارات دينار و في سيناريو ارتفاع متوسط الأسعار إلى حدود 80 دولارا، فإن نفقات الدعم قد تقفز بما يقارب 50%. أما في سيناريو أكثر تشاؤما، حيث قد تبلغ الأسعار مستويات أعلى بكثير في حال اتساع رقعة الحرب أو تعطّل الملاحة في مضيق هرمزلفترة طويلة وهو امر محتمل بقوة ما لم يتم النوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار ، فقد يصل المعدل السنوي إلى حدود 94 دولارا، أي بزيادة تناهز 31 دولارا عن التقديرات الأصلية.

في هذه الحالة، قد تتحمل ميزانية الدولة أعباء إضافية تصل إلى نحو 5 مليارات دينار، أي ما يعادل تقريبا ضعف المبلغ المرصود لدعم المحروقات، و وهنا تصبح الخيارات محدودة: إما الترفيع في أسعار الطاقة محليًا، بما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية ، أو تحمل الدولة كامل الزيادة، بما يفاقم العجز ويضغط على التوازنات المالية.

شبح التضخم يعود

ولا يقتصر ارتفاع أسعار النفط أثره على الطاقة فقط، بل يتسلل إلى بقية مفاصل الاقتصاد  فالمحروقات تدخل في كلفة النقل، والإنتاج الصناعي، والفلاحة، وتوليد الكهرباء  ومع كل زيادة في الكلفة، تنتقل العدوى إلى الأسعار النهائية للسلع والخدمات.

وقد عانت بلادنا في السنوات الأخيرة من موجات تضخمية مرتفعة، وتجد اليوم نفسها أمام مخاوف عودة الضغوط بقوة. وإذا ما تزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، فإن التضخم قد يستعيد زخمه، بما يضعف القدرة الشرائية ويزيد من هشاشة الفئات محدودة الدخل.

كما أن ارتفاع أسعار الذهب بنحو 2.4% يعكس حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهو مؤشر تقليدي على توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة و هذه التحركات قد تؤدي إلى تقلبات في سعر صرف الدولار مقابل اليورو، ما ينعكس بدوره على كلفة الواردات المسعّرة بالدولار، وفي مقدمتها الطاقة.

وحتى الآن، لم تُسجل تغيرات كبرى في سعر صرف الدينار، مع ملاحظة ارتفاع طفيف للدولار مقابل اليورو، غير أن استمرار الحرب أو اتساعها قد يدفع المستثمرين إلى تعزيز الطلب على الدولار، ما قد يضغط على العملات الناشئة و أي تراجع في قيمة الدينار مقابل الدولار يعني تلقائيا ارتفاعا إضافيا في كلفة واردات النفط، حتى لو استقرت الأسعار العالمية.

التحويلات… رئة الاقتصاد المهددة

ومن بين القنوات الأقل وضوحا، لكن ذات الأثر العميق، مسألة تحويلات التونسيين بالخارج حيث ان جزء مهم من الجالية التونسية ينشط في بلدان الخليج العربي، وهي منطقة شديدة الحساسية تجاه أي تصعيد في المنطقة وفي الشرق الأوسط عموما.

وفي حال توسعت رقعة الحرب أو تأثرت اقتصادات الخليج سلبا، سواء عبر تراجع الاستثمارات أو اضطراب الأسواق، فإن ذلك قد ينعكس على فرص العمل والمداخيل، وبالتالي على حجم التحويلات و وهذه التحويلات باتت في السنوات الاخيرة تمثل موردا حيويا للعملة الاجنبية، وتساهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي وتمويل العجز التجاري، و أي تقلص في هذه التدفقات سيزيد من الضغط على ميزان المدفوعات، في وقت ترتفع فيه فاتورة الطاقة.

كما ان اضطراب حركة الشحن البحري يُعد من أبرز المخاطر المرتبطة بالتصعيد العسكري في المنطقة. فمضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية و بالنسبة لتونس، التي تعتمد على الواردات في العديد من المواد الأولية والسلع الوسيطة، فإن ارتفاع كلفة الشحن يعني ضغطًا إضافيا على الأسعار المحلية، وقد يؤدي إلى اختناقات في بعض القطاعات الصناعية.

ومن الملاحظ ان الجغرافيا تضع بلادنا خارج دائرة النار المباشرة، لكنها لا تحميها من ارتدادات الاقتصاد العالمي. في عالم مترابط، تتحول الصدمات الإقليمية بسرعة إلى أزمات عالمية.

و يبقى الأمل أن يكون التصعيد ظرفيًا، وأن تعود الأسواق إلى قدر من الاستقرار، لكن التعويل على التهدئة وحدها لا يكفي. فالأزمة تذكير جديد بمدى ارتباط تونس بالتقلبات العالمية، وبحاجة اقتصادها إلى هوامش أمان أوسع.

Related posts

وزارة أملاك الدّولة: استرجاع 4 عقارات دولية فلاحية بزغوان على مساحة 70 هك ومقطع حجارة ببنزرت بمساحة 14 هك

root

استئناف حركة السير بالطرقات المقطوعة ماعدى الطريق المعبدة وغير المرقمة بطبرقة

Na Da

اليوم: انتخاب أعضاء مجلس الجهات والأقاليم والإعلان عن النتائج

Na Da