الانتخابات البلدية في فرنسا…اليسار يثبت موقعه رغم تصاعد التيارات اليمينة

في مشهد سياسي أوروبي يتّسم بتصاعد التيارات اليمينية المتطرفة وتنامي خطاب الهجرة والهوية، جاءت نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في فرنسا لتؤكد معطى لافتا: اليسار، رغم أزماته الداخلية وتراجعه في محطات سابقة، ما يزال قادرا على الصمود بل وتعزيز حضوره في عدد من المدن الكبرى والمتوسطة.

وعكست الانتخابات البلدية تحولات أعمق في المزاج السياسي الفرنسي، حيث عاد جزء من الناخبين إلى خيارات اجتماعية-ديمقراطية تبحث عن التوازن بين الأمن الاجتماعي والانفتاح، في مواجهة خطاب الإقصاء والانغلاق الذي تمثله قوى اليمين المتطرف.

لقد نجحت قوى اليسار الفرنسي، بمختلف أطيافها، في الحفاظ على مواقعها التقليدية داخل البلديات الكبرى، بل وتمكنت في بعض الحالات من استعادة مدن كانت قد خسرتها سابقا. ويُعزى هذا النجاح إلى عدة عوامل، من بينها القدرة على بناء تحالفات انتخابية واسعة، وتقديم برامج محلية واقعية تستجيب لمشاغل المواطنين اليومية، إضافة إلى استثمار المخاوف المتزايدة من صعود اليمين المتطرف، الذي بات يمثل تهديدا جديا للنموذج الجمهوري الفرنسي.

تحالفات واقعية وخطاب اجتماعي قريب من الناس

وأحد أبرز دروس التجربة الفرنسية يتمثل في قدرة اليسار على تجاوز خلافاته الإيديولوجية التقليدية، والانخراط في تحالفات براغماتية تجمع بين الاشتراكيين والخضر وقوى اليسار الراديكالي. هذه التحالفات لم تكن شكلية، بل قامت على أرضية برامجية واضحة تركز على قضايا ملموسة مثل النقل، البيئة، السكن، والخدمات المحلية. وقد مكّن هذا التوجه من إعادة بناء الثقة مع الناخبين، خاصة في ظل تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية.

كما لعب الخطاب الاجتماعي دورا محوريا في هذا النجاح، حيث أعاد اليسار الفرنسي التركيز على قضايا العدالة الاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية، والدفاع عن الخدمات العمومية. هذا الخطاب، الذي ابتعد نسبيا عن قضايا الهوية المثيرة للجدل، ساهم في استقطاب فئات واسعة من الطبقة الوسطى والناخبين الشباب.

و في سياق يتسم بصعود اليمين المتطرف في فرنسا وأوروبا، استطاع اليسار أن يقدّم نفسه كبديل جدي وواقعي، لا يكتفي برفض خطاب الكراهية، بل يطرح حلولا عملية لمشاكل البطالة والتهميش والتفاوت الجهوي. وقد أدرك جزء مهم من الناخبين أن مواجهة اليمين المتطرف لا تكون فقط عبر الشعارات، بل عبر سياسات عمومية ناجعة تعيد الاعتبار للدولة الاجتماعية.

ومكن هذا التموقع الاستراتيجي اليسار من استعادة جزء من قاعدته الانتخابية، بل وجذب ناخبين كانوا قد انزاحوا نحو خيارات أخرى، سواء نحو الوسط أو حتى نحو اليمين. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا في السياق التونسي: لماذا لم يتمكن اليسار التونسي من تحقيق اختراق مماثل، رغم توفره على رصيد نضالي وتاريخي مهم؟

يسار خارج الزمن السياسي

إذا كان اليسار الفرنسي قد نجح في إعادة تموقعه داخل المشهد السياسي، فإن اليسار التونسي يبدو، في المقابل، عاجزا عن مواكبة التحولات التي شهدتها البلاد منذ 2011. فرغم الفرص التي أتاحها المسار الانتقالي، لم يتمكن هذا التيار من التحول إلى قوة سياسية مؤثرة قادرة على استقطاب الناخبين وتقديم بدائل واقعية.

أحد أبرز مظاهر هذا العجز يتمثل في غياب المراجعات الفكرية والسياسية. فبدل أن ينخرط في نقد ذاتي جدي لتجربته، ظل اليسار التونسي حبيس نفس الشعارات ونفس الخطابات التي لم تعد تجد صدى لدى فئات واسعة من المجتمع. كما أن الانقسامات الداخلية والصراعات الإيديولوجية ساهمت في إضعافه، وجعلته عاجزا عن بناء جبهة موحدة قادرة على اقناع الناس بوجاهة افكاره.

و من بين الإشكاليات الكبرى التي يعاني منها اليسار التونسي أيضا، تموقعه داخل فضاءات نخبوية، خاصة داخل الجامعة وبعض الأوساط الثقافية، مقابل ضعف حضوره في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية. هذا الانفصال عن الواقع الاجتماعي جعل خطابه يبدو بعيدا عن مشاغل المواطن اليومية، التي تتعلق أساسا بالتشغيل، الأسعار، والخدمات.

وفي حين نجح اليسار الفرنسي في الاقتراب من الناس وتبني قضايا محلية ملموسة، بقي نظيره التونسي أسير قضايا نظرية وصراعات هوياتية، لم تعد تمثل أولوية بالنسبة للناخب. وهو ما ساهم في تآكل رصيده الشعبي، خاصة في ظل صعود قوى أخرى استطاعت ملء هذا الفراغ.

و لا يمكن لأي قوة سياسية أن تحقق حضورا مؤثرا دون تقديم مشروع واضح ومتماسك. وفي هذا الإطار، يبدو أن اليسار التونسي لم ينجح في بلورة برنامج اقتصادي واجتماعي قادر على إقناع الناخبين. فبين شعارات العدالة الاجتماعية وواقع السياسات العمومية، ظل الخطاب العام يفتقر إلى التفاصيل والآليات التنفيذية.

في المقابل، قدم اليسار الفرنسي نماذج محلية ناجحة في إدارة البلديات، ما عزز مصداقيته لدى الناخبين. هذه التجارب، التي ترتكز على تحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية ودعم الاقتصاد المحلي، شكلت دليلا ملموسا على قدرة اليسار على الحكم، وليس فقط على المعارضة.

و من بين العوامل التي ساهمت في إضعاف اليسار التونسي أيضا، انخراطه في صراعات هوية طويلة الأمد، خاصة في علاقة بالدين والحريات الفردية. ورغم أهمية هذه القضايا، فإن الإفراط في التركيز عليها، على حساب الملفات الاقتصادية والاجتماعية، جعل جزءا من الرأي العام ينفر من هذا التيار. كما أن هذه الصراعات استنزفت طاقات اليسار، وعمّقت انقساماته الداخلية، في وقت كان من الأجدر به التركيز على بناء بدائل واقعية لمشاكل البلاد. وهو ما يطرح مرة أخرى مسألة الأولويات، ومدى قدرة هذا التيار على إعادة ترتيبها بما يتماشى مع انتظارات التونسيين.

أي مستقبل لليسار ؟

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل اليسار التونسي يظل رهينا بمدى قدرته على القيام بمراجعات عميقة، سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة، فالتجربة الفرنسية، رغم اختلاف السياقات، تقدم درسا مهما: لا يمكن لأي تيار سياسي أن يحافظ على موقعه دون التجدد والانفتاح على الواقع.

إن إعادة بناء اليسار التونسي تمرّ بالضرورة عبر الخروج من الدوائر المغلقة، والانخراط في العمل الميداني، وبناء تحالفات واسعة، وتقديم برامج واقعية تستجيب لمشاغل المواطن. كما تتطلب تجاوز الصراعات الثانوية، والتركيز على القضايا التي تهمّ التونسيين في حياتهم اليومية.

في النهاية، لا يبدو أن أزمة اليسار التونسي قدر محتوم، بل هي نتيجة خيارات يمكن مراجعتها وتصحيحها. غير أن عامل الزمن يظل حاسما: فكلما تأخرت هذه المراجعات، كلما تعمّقت الهوة بين هذا التيار والشارع، بما قد يهدد وجوده نفسه داخل المشهد السياسي. وفي عالم سياسي سريع التحول، لا مكان لمن يرفض التغيير أو يتأخر عنه.

Related posts

الصحة العالمية تدعو لإغاثة غزة وتصف الوضع بالكارثي

Wa Lid

كيم يتوعد بـ”إبادة” كوريا الجنوبية

Wa Lid

زيارة غير معلنة لمدير “إف بي آي” إلى إسرائيل

Wa Lid