الصحة مسؤولية مشتركة

مع كل شتاء تعود نزلة البرد الموسمية لتطرح السؤال نفسه،
كيف نحمي انفسنا ومن حولنا دون خوف، ودون تهويل،
ودون الوقوع في سلوكيات خاطئة؟
و بحسب الاطباء فإن نزلة البرد لهذا الموسم يحمل اسما علميا
جديدا نسبيا هوالمتحور K  او H3N2، لكنه في جوهره
يندرج ضمن فيروسات الانفلونزا المعروفة، التي تعامل معها
الطب والمجتمع مرارا، وتعلم منها كيف يوازن بين الاطمئنان
واليقظة.
و تشير المعطيات العلمية المتوفرة بوضوح الى ان هذا
المتحور من صنف A يتميز بحدة بعض الاعراض، مثل
ارتفاع الحرارة والتعب والارهاق، لكنها اعراض لا تبعث
على القلق ولا على التخويف. وهي اعراض متشابهة في
تونس وفي الدول الاوروبية وامريكا الشمالية، ما يؤكد اننا
لسنا امام وضع استثنائي او مجهول غير ان الجديد فقط ان
الفيروس حل هذا العام قبل موعده المعتاد باسبوعين الى ثلاثة
اسابيع، وهو ما يفسر شعور كثيرين بان الموسم كان اقسى
من العادة.
و باستثناء بعض الحالات، خاصة لدى من يعانون امراضا
مزمنة سجلت لديها مضاعفات استوجبت الايواء
بالمستشفيات، فان جل الاصابات كانت عادية واقل من تلك
التي عرفها العالم مع فيروس كورونا حيث ان هذه المقارنة
ليست للتقليل من شان الانفلونزا، بل لوضعها في حجمها

الحقيقي، بعيدا عن التهويل الذي يربك الناس ويدفعهم الى
قرارات غير سليمة.
ويؤكد الاطباء انه في المسار الطبيعي للمرض، تتحسن
الاعراض في اغلب الحالات في ظرف لا يتجاوز خمسة ايام.
وقد يستمر التعب او الارهاق الى حدود اسبوعين لدى بعض
الاشخاص، لكن ذلك ليس قاعدة عامة، و المهم هنا هو الانتباه
الى العلامات التي تستوجب استشارة الطبيب، مثل عدم
انخفاض الحرارة بعد اربعة او خمسة ايام، او تدهور الحالة
العامة. هذا السلوك البسيط، القائم على الانصات للجسم،
يختصر الكثير من التعقيدات.
وسط هذا المشهد، يبرز التلقيح كاحد اهم ادوات الوقاية، ليس
بوصفه حلا سحريا، ولا باعتباره ضمانا مطلقا لعدم الاصابة،
بل كدرع يخفف حدة المرض ويقلص مخاطره، خاصة لدى
الفئات الهشة، ذلك ان التلقيح ضد نزلة البرد الموسمية مجرب
منذ سنوات، وتؤكد التجارب الطبية انه لا يحمل مخاطر
تذكر، باستثناء حالات حساسية نادرة ومعروفة. ورغم اننا
نعيش ذروة انتشار الفيروس، فان جدوى التلقيح تبقى قائمة
ومثبتة علميا.
والدعوة الى التلقيح هنا ليست اشهارا ولا دعاية، بل رسالة
مسؤولية، فالتلقيح لا يحمي الفرد فحسب، بل يساهم في حماية
المجموعة، ويقلل من الضغط على المنظومة الصحية،
ويحمي كبار السن واصحاب الامراض المزمنة والحوامل، و
في هذا المعنى، يصبح التلقيح فعلا تضامنيا قبل ان يكون
قرارا شخصيا.

لكن الوقاية لا تختزل في التلقيح وحده. فهناك سلوكيات
بسيطة، ثبتت فعاليتها، ولا تزال صالحة في كل المواسم،
غسل اليدين بانتظام، تهوئة الغرف، ارتداء القناع عند
الضرورة، واحترام مسافة معقولة في الاماكن المغلقة، وهذه
الاجراءات ليست عودة الى زمن الخوف، بل تعبير عن وعي
صحي جماعي. وهي اجراءات تحمي دون ان تعزل، وتقي
دون ان تعطل الحياة.
ومن المهم ايضا تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تتكرر
كل موسم، المضاد الحيوي، مثلا، ليس علاجا للانفلونزا،
لانها مرض فيروسي وليس بكتيريا حيث ان استعمال
المضادات الحيوية دون وصفة طبية لا يعالج المرض، بل
يخلق مشكلة اخطر تتمثل في مقاومة البكتيريا لهذه الادوية،
ما يجعلها غير فعالة عند الحاجة الحقيقية و الحال ان الطبيب
وحده هو المخول لتشخيص عدوى بكتيرية محتملة بعد عدوى
فيروسية، وتحديد الحاجة الى مضاد حيوي من عدمها.
في المقابل، لا يعارض الاطباء الوسائل الداعمة التي تخفف
الاعراض على غرار السوائل الساخنة، و المشروبات
العشبية، والراحة في المنزل، و كلها عناصر تساعد الجسم
على التعافي. كما يمكن تناول عصير البرتقال لمن لا يعاني
من السكري، باعتباره مصدرا طبيعيا للفيتامينات. لكن هذه
الوسائل تبقى مكملة، لا بديلة عن الوقاية الطبية السليمة.
كما ان الراحة في المنزل عند الاصابة ليست التعافي فحسب،
بل ايضا من اجل عدم نقل العدوى الى الاخرين، و هذا
السلوك البسيط يعكس احتراما للغير، خاصة للفئات الاكثر
عرضة للمضاعفات. فالمصاب بالانفلونزا مطالب اخلاقيا

وصحيا بالابتعاد عن كبار السن ومرضى القلب والسكري
والحوامل، الى ان تتحسن حالته.
وقد عاد النقاش حول مسالة المناعة الى الواجهة خاصة بعد
جائحة كورونا،  وصحيح ان بعض الحالات سجلت تراجعا
في القدرة المناعية، لا سيما على مستوى الجهاز التنفسي،
غير ان هذه المعطيات تبقى محدودة ولا ترقى الى مستوى
الظاهرة العامة. لذلك لا يمكن بناء سلوك صحي جماعي على
استثناءات ظرفية، فالمعرفة العلمية المتراكمة تؤكد ان جهاز
المناعة يمتلك قابلية دائمة للتكيف، وان تحور الفيروسات
مسار طبيعي تعامل معه الطب منذ عقود، فلكل موسم
خصوصياته، وفي المقابل تتطور ادوات الفهم والمتابعة
والعلاج.
من هنا، يصبح التخوف المبالغ فيه عبئا اضافيا. الخوف لا
يحمي، بل يربك. ما يحمي فعلا هو المعرفة، والوقاية،
والسلوك المسؤول. والتلقيح جزء من هذه المنظومة، لا اكثر
ولا اقل، هو خيار عقلاني، يستند الى العلم، ويترجم حرصا
على الصحة الفردية والجماعية.
وما يمكن الانتهاء اليه ان نزلة البرد الموسمية لا تمثل خطرا
استثنائيا، لكنها في المقابل لا تحتمل الاستخفاف، فهي مرض
معروف، يمكن التعايش معه عندما تتوفر المعرفة والسلوك
السليم، ويصبح مربكا فقط حين يغيب التقدير المتوازن
لحجمه.
والمطلوب اليوم قدر من الاطمئنان المبني على العلم، يقابله
حرص واقعي على الوقاية. وفي هذا السياق، يبرز التلقيح
كخيار عقلاني يعكس نضجا صحيا جماعيا، يحترم التجربة

الطبية ويعتمد الوقاية بهدوء، بعيدا عن العناوين العاجلة
والانفعالات العابرة.

Related posts

رئيس المجلس الأعلى للقضاء : المرسوم الرئاسي الجديد فيه مساس بالوضع الدستوري للسلطة القضائية

root

طقس الثلاثاء ..

root

الوكالة الوطنية للتشغيل : قريبا منصة الكترونية لإجراء محادثات الانتداب عن بعد

root

Leave a review