إدارة بلا سيادة…الخروقات الاسرائيلية تقوض أي حكم انتقالي في غزة

في وقتٍ تتكثّف فيه المساعي السياسية والإقليمية لتشكيل لجنة تكنوقراط تتولى إدارة الشأن المدني والحكومي في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها الميدانية والإنسانية، في مسارٍ ينعكس مباشرة على فرص نجاح أي صيغة حكم انتقالية، ويثير تساؤلات جدية حول قابليتها للتطبيق في ظل واقع أمني هش وغير مستقر.

وتشهد مناطق متفرقة من قطاع غزة خروقات شبه يومية، تشمل عمليات توغل محدودة، واستهدافات متقطعة، وتقييد حركة الصيادين والمزارعين، إضافة إلى استمرار إغلاق المعابر أو تشغيلها وفق آليات غير مستقرة. كما يأتي ارتقاء نحو 30 شهيدًا، السبت، في خرقٍ واضح لاتفاق وقف إطلاق النار، بالتزامن مع الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط المنبثقة عن ما يُعرف بـ”مجلس السلام” برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليُبقي القطاع في حالة توتر دائم، ويُعطّل الانتقال إلى مرحلة “ما بعد الحرب” أو “الإدارة المدنية المستقرة”.

وتُلقي هذه الخروقات بظلالها على المشهد الفلسطيني الداخلي، إذ تُعمّق حالة الشك في جدوى تشكيل اللجنة، وتغذّي المخاوف من أن تتحول إلى أداة لإدارة الأزمة لا لحلها، في ظل غياب بيئة سياسية وأمنية حاضنة.

ويرى محللون أن الاحتلال يتعمد الإبقاء على مستوى محسوب من الضغط الأمني والميداني، بهدف منع نشوء أي صيغة حكم قادرة على إنتاج استقرار فعلي، حتى وإن كانت ذات طابع تقني وغير فصائلي.

ويؤكد مراقبون أن أي صيغة حكم لا تترافق مع وقف فعلي للخروقات، وضمانات دولية ملزمة، ستبقى مهددة بالانهيار في أي لحظة.

الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم يؤكد أن أهداف الاحتلال من استمرار خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار تتجاوز مجرد تقويض صورة لجنة التكنوقراط في الوعي الغزي.

وقال إبراهيم إنّ ما جرى من خرق أول من أمس “مثل حفل استقبال للجنة التكنوقراط”، في إطار محاولات الاحتلال القضاء على أي مظهر من مظاهر الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة. وأضاف أن الاحتلال يسعى إلى فرض سيادة أمنية كاملة على القطاع، بدأت بالتحكم في معبر رفح، ثم سيطرته على نحو 53 بالمئة من مساحة غزة، رغم الحديث عن مجلس السلام والهياكل المنبثقة عنه.

وأشار إلى أن سياسة الخروقات تهدف إلى التشويش على عمل اللجنة، إذ لا يريد الاحتلال لأي جهة أن تعمل داخل القطاع سواه، معتبرًا أن ما جرى منذ بداية حرب الإبادة والتدمير الشامل للمؤسسات الوطنية الفلسطينية يصبّ في سياق تفكيك أي كيان فلسطيني جامع.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن “إسرائيل” ماضية في تطبيق أهداف الحرب حرفيًا، موضحًا أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يلتزم ببنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، سواء من حيث البروتوكول الإنساني أو إدخال المعدات الطبية والآليات اللازمة لإعادة فتح الشوارع، بل استخدم ذرائع متعددة لدفع الغزيين نحو الهجرة القسرية، وهو ما تجلّى في استهداف منشآت مدنية وسقوط عشرات الشهداء.

وأكد أن سياسة الاحتلال تقوم على امتصاص الغضب العالمي، إذ لم يحظَ سقوط الشهداء الأخير بضجيج يُذكر في الإعلام الدولي، رغم أن الحرب – فعليًا – لم تنتهِ، ولا تزال معاناة الغزيين مستمرة في ظل تغاضٍ دولي واضح.

بدوره، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن الخرق الأخير لاتفاق وقف إطلاق النار يمثل “رسالة ترحيب” من حكومة الاحتلال بلجنة التكنوقراط.

وقال عفيفة إنّ هذا الاعتداء، الذي أودى بحياة عشرات الشهداء، يُعد الأول منذ تشكيل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط، ويحمل رسالة واضحة بأن الاحتلال ماضٍ في فرض قواعد الاشتباك التي تخدم رؤيته وابتزازه لجميع الأطراف. وأضاف أن ما جرى يثبت أن مجلس السلام ولجنة التكنوقراط يضعان رؤيتهما على الورق دون تأثير فعلي على الأرض، ما يعكس ضعف دور الوسطاء والضامنين لوقف إطلاق النار، وعجزهم عن إلزام الاحتلال بتعهداته. وأشار إلى أن الخرق يشكل تحديًا مباشرًا للجنة التكنوقراط قبل بدء عملها، وكأنه إعلان مسبق بأن السلوك الإسرائيلي سيبقى على حاله، بالتزامن مع الحديث عن فتح معبر رفح، في محاولة للتغطية على الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها نتنياهو في هذا الملف.

وشدد عفيفة على أن ما حدث يمثل اختبار فشل لإدارة ترامب ومجلس السلام والهيئات المنبثقة عنه، خاصة في ظل المرونة التي أبدتها حركة حماس بتسليمها إدارة الحكم، مقابل استمرار المطالب الأمريكية بنزع سلاح المقاومة، متجاهلة استحقاقات الاحتلال المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار.

وتساءل عفيفة عمّا إذا كان مجلس السلام ولجنة التكنوقراط قادرين فعليًا على تغيير الواقع في قطاع غزة وكبح جماح الاحتلال ووقف خروقاته المتواصلة.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد واصل خرقه لاتفاق وقف إطلاق النار، اخطرها شن غارات جوية استهدفت مراكز شرطة وشققًا سكنية يومي الجمعة والسبت الماضيين، بعد 112 يومًا من إعلان التهدئة وأسفرت هذه الخروقات، التي شملت استهداف مركز شرطة “الشيخ رضوان” وشققًا سكنية غربي مدينة غزة، عن استشهاد 33 فلسطينيا وإصابة العشرات في مناطق متفرقة من القطاع.

Related posts

تسريب لنتنياهو يصف قطر بالإشكاية في عملية تبادل الأسرى

Wa Lid

واشنطن لا تؤيد وقف إطلاق نار دائماً في غزة

Wa Lid

7 قتلى جراء إعصار عنيف ضرب جنوب الولايات المتحدة

Leave a review