بين قوة العزم وحسن التنظيم…أيسر الطرق لختم القرآن الكريم خلال شهر رمضان

بحلول شهر رمضان المعظم يسعى الناس الى استغلال فضائل هذا الشهر لختم القرآن الكريم لنيل ثواب وبركات هذه العبادة غير أن مشاغل الحياة قد تحول دون ذلك و تستدعي معرفة افضل الطرق لادراك ختم كتاب الله في افضل شهر في السنة.

هدف روحي عميق

ويحلّ شهر رمضان كلّ عام حاملا معه شوقا متجدّدًا للقرآن الكريم، فهو شهره الذي أُنزل فيه هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، و يتجدّد السؤال على ألسنة الكثيرين: كيف نختم القرآن الكريم خلال ثلاثين يومًا دون مشقّة أو انقطاع؟ وكيف نحافظ على نسق ثابت يضمن لنا الاستمرارية والطمأنينة بدل الاندفاع في البداية ثم الفتور في المنتصف؟ ويتكررهذا التساؤل مع كل هلال جديد، لأنّ الرغبة في مصاحبة كتاب الله تتعاظم، ويكبر معها الطموح إلى استثمار كل لحظة من لحظات الشهر الفضيل.

ويعد ختم القرآن في رمضان هدف روحي عميق، يرتبط بمعاني القرب والتدبّر والتزكية، فالقرآن أنزل في هذا الشهر، وتلاوته فيه تأخذ بعدا مختلفًا، حيث تتضاعف الهمم وتلين القلوب وتتهيّأ النفوس. لذلك فإنّ التخطيط لختمة كاملة خلال الشهر يحتاج إلى رؤية واضحة وتنظيم عملي يتماشى مع ظروف كل شخص، سواء كان موظفًا ، أو ربّة بيت، أو طالبا، أو متقاعدا، اذ يمثل التنظيم الواقعي نقطة الانطلاق، لكونه يوازن بين الطموح والطاقة المتاحة، ويحوّل النية الصادقة إلى برنامج يومي قابل للتطبيق.

قراءة جزء يوميا

و للاشارة فان المصحف الشريف مقسّم إلى ثلاثين جزءا، وكل جزء يحتوي تقريبا على عشرين صفحة في مصحف المدينة النبوية المتداول في أغلب البلدان، حيث تختصر هذه المعلومة البسيطة الطريق أمام من يريد وضع خطة واضحة، إذ يكفي قراءة جزء واحد يوميا لختم القرآن كاملًا خلال ثلاثين يوما، و وعند تقسيم الجزء إلى فترات صغيرة، يتبيّن أنّ قراءة أربع صفحات بعد كل صلاة مفروضة كافية لإتمام الورد اليومي بسهولة، و بهذه الطريقة يرتبط القرآن بمواقيت الصلاة، فيصبح جزءا من اليوم، ويتحوّل إلى عادة راسخة تتكرّر خمس مرات يوميا.

كما يمكن اعتماد تقسيمات أخرى تناسب طبيعة الحياة اليومية. فمن يفضّل القراءة في أوقات محدّدة يستطيع أن يقرأ عشر صفحات بعد الفجر وعشرا بعد التراويح، و ومن يجد صعوبة في الجلوس لمدّة طويلة، يمكنه توزيع الصفحات على فترات قصيرة، صفحتين أو ثلاثًا في كل مرّة، حتى يكتمل العدد المطلوب دون شعور بثقل، بمعنى ان المرونة عنصر أساسي في أي خطة ناجحة، لأنّ ظروف الناس تختلف، ووتيرة الحياة تتبدّل من يوم إلى آخر.

أكثر من ختمة

و لان رمضان شهر استثنائي و فرصة يسأل المسلمون الله ان يبلغهم اياها فان بعض الناس يطمحون إلى أكثر من ختمة واحدة خلال الشهر، رغبة في مضاعفة الأجر وتعظيم الاستفادة، و لتحقيق ختمتين، يكفي قراءة جزأين يوميا، أي أربعين صفحة، ويمكن توزيعها على مدار اليوم بالطريقة نفسها مع زيادة عدد الصفحات بعد كل صلاة. أمّا ثلاث ختمات فتتطلّب قراءة ثلاثة أجزاء يوميًا، وهو أمر يحتاج إلى تفرّغ نسبي وانضباط عالٍ، و في جميع الحالات، يبقى تقدير القدرة الشخصية عنصرا مهما، لأنّ الهدف هو الاستمرار حتى نهاية الشهر دون انقطاع أو إرهاق.

ويلعب الوقت الوقت دورا محوريا في إنجاح الخطة، فلحظات الفجر تُعدّ من أنقى أوقات اليوم، حيث الصفاء الذهني والسكون، ولذلك يختارها كثيرون لقراءة جزء كبير من وردهم، و كذلك ما بعد صلاة التراويح يمثّل فرصة مناسبة، إذ تكون النفس مهيّأة للخشوع.

التقنية على الخط

وقد وفرت التقنية الحديثة وسائل متنوّعة تسهّل الالتزام بالورد اليومي، حيث تمكن تطبيقات الهواتف الذكية تمكّن القارئ من متابعة تقدّمه بدقّة، وتذكّره بالعدد المتبقي من الصفحات ومنها  ما يتيح قراءة المصحف مع تفسير مبسّط وخيارات متعددة للخطوط، إلى جانب تطبيقات أخرى متخصّصة في التلاوة الصوتية. كما يمكن الاستماع إلى القرآن عبر منصات رقمية خلال التنقّل أو أداء الأعمال المنزلية، مما يساعد على استثمار الأوقات القصيرة التي قد تمرّ دون فائدة.

نصائح

كما  يمكن إعداد جدول بسيط يُعلّق في مكان ظاهر داخل المنزل، وتحديد الجزء المقرّر لكل يوم، مع وضع علامة عند الإنجاز وهذا هذا الأسلوب يعزّز الإحساس بالتقدّم، ويحفّز على المواصلة كما يمكن تخصيص ركن هادئ في البيت للقراءة، بحيث يرتبط ذهنيًا بالتركيز والخشوع، فيسهُل الدخول في أجواء التلاوة فور الجلوس فيه.

ويمنح التوازن بين التلاوة والتدبّر الختمة قيمة أعمق. قراءة الصفحات المطلوبة تمثّل الخطوة الأولى، يليها تخصيص وقت قصير لفهم المعاني العامة للآيات حيث يمكن الرجوع إلى تفسير مختصر أو الاستماع إلى درس يومي يشرح أبرز المضامين و هذا الجمع بين القراءة والفهم يفتح أبوابًا جديدة للتأمّل، ويجعل العلاقة بالقرآن أكثر حيوية وتأثيرا في السلوك اليومي.

وتمثل الأسرة بيئة داعمة لإنجاح خطة الختم، فحين يجتمع أفراد البيت بعد الإفطار أو قبل النوم لقراءة قدر معيّن من القرآن، يتعزّز الشعور بالمشاركة، ويزداد الالتزام الجماعي، و يمكن توزيع الأجزاء بينهم، أو تحديد وقت مشترك للقراءة الصامتة، ثم تبادل بعض المعاني التي لفتت الانتباه والأطفال بدورهم يمكن تشجيعهم على قراءة سور قصيرة أو أجزاء محدّدة تناسب أعمارهم، مع مكافآت رمزية تحفّزهم على الاستمرار.

و تمثل العشر الأواخر من رمضان محطة مميزة في مسار الختمة و في هذه الأيام يزداد الاجتهاد، وتتعاظم الرغبة في تحرّي ليلة القدر و يمكن رفع الوتيرة قليلًا خلال هذه الفترة لتعويض أي تأخير سابق، أو لبدء ختمة جديدة لمن أتمّ الأولى. الأجواء الإيمانية المكثّفة تعين على التركيز، وتمنح القراءة طاقة إضافية.

ان ختم القرآن خلال رمضان رحلة تمتدّ ثلاثين يومًا، تبدأ بنية صادقة وخطة واضحة، وتستمرّ بانضباط يومي وتدرّج متوازن. ومع مرور الأيام، يكتشف القارئ أنّ العلاقة بالقرآن تتعمّق، وأنّ الصفحات التي كان يراها كثيرة في البداية أصبحت جزءا طبيعيا من يومه. وعند بلوغ الصفحة الأخيرة، يشعر بفرح خاص، لأنّه عاش تجربة كاملة من المصاحبة والتأمّل و بهذا المعنى، تمثّل الختمة في رمضان محطة سنوية للتجديد، يراجع فيها المؤمن صلته بالله، ويعيد ترتيب أولوياته، ويمنح قلبه فرصة للسكينة. 

Related posts

لأول مرة: حسناء من نيكاراغوا تخطف لقب ملكة جمال الكون

7 أكتوبر …يوم حدث الطوفان

Leave a review