محمد الدريدي
في كل عام و مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد أسئلة حاسمة حول مباريات كرة القدم و تحديدًا تلك الخاصة بالرابطة المحترفة الأولى ، هل من المنطق أن تُقام المباريات في وقت النهار، وسط حرّ الجو وصيام اللاعبين؟ وما هي المخاطر الصحية والبدنية وحتى الروحية التي يواجهها اللاعبون والمدربون والأندية؟
هذه القضية ليست نقاشًا هينًا، بل صارت موضوع جدل واسع في الأوساط الرياضية، والدينية والإعلامية والجماهيرية. وفي السنوات الأخيرة، ضاعفت برمجة مباريات الدوري الممتاز في أوقات الصيام من حدة تلك النقاشات، خصوصًا عندما تأتي المباراة في الساعة الثانية أو الثالثة زوالًا، قبل موعد الإفطار بأربع أو خمس ساعات.
الواقع القائم… مباريات في وقت الصيام
شهدنا في بلادنا خلال شهر رمضان في رابطات عدة، خصوصًا الرابطة المحترفة الأولى للكرة، برمجة مباريات تُقام في فترات النهار وأثناء الصيام، ما أثار غضبًا واسعًا في أوساط اللاعبين والمدربين والجماهير، وحتى المتابعين العامين.
وقد انتقد الكثير من المدربين توظيف توقيتات مثل “الساعة الواحدة ظهرًا” أو ما قبل الإفطار بأكثر من ثلاث ساعات، معتبرين أن اللاعبين الصائمين يُجبرون على بذل مجهود بدني كبير في ظروف غير مناسبة، خاصة فيما يتعلق بالحرارة وفقدان السوائل والطاقة. وعلى صفحات التواصل وفي تصريحات إعلامية، عبرت جماهير “الألتراس” عن رفضها لهذا التوقيت، معتبرةً أن هذا القرار لا يحترم خصوصية الشهر الفضيل.
المخاطر الصحية والبدنية…الصيام ومجهود كرة القدم
الصيام لدى اللاعبين بما هو امتناع عن الأكل وامتناع عن شرب الماء والسوائل طوال ساعات النهار يضاعف المخاطر بشكل كبير، خاصة عند أداء مجهود بدني عالي كالمتوقع في مباراة كرة قدم تنافسية.
اللاعبون الصائمون معرضون لخطر الجفاف، خاصة في أجواء حارة أو رطبة. فتأخر تناول السوائل إلى ما بعد الإفطار يعني أنه لا يمكن تعويض السوائل المفقودة خلال اللعب في النهار ويشكل ذلك خطرًا مباشرًا على الأداء البدني، ويزيد من احتمالات الإصابة بتشنجات عضلية أو إرهاق مبكر أو هبوط طاقة.
والصيام يحرم اللاعبين من مصادر الطاقة الأساسية قبل المباريات (الجلوكوز والمغذيات الحيوية)، ما قد يؤدي إلى هبوط في الأداء البدني والذهني، وتأخر في سرعة رد الفعل. وفقًا للدراسات العلمية، قد يواجه اللاعبون صعوبات في الحفاظ على الأداء البدني على مدى 90 دقيقة كاملة خاصة لو كانت المباريات في ساعات متأخرة من الصيام، قبل الإفطار.
وعادة ما يغير اللاعبون روتينات نومهم خلال شهر رمضان بسبب وجبتي السحور والإفطار والصلوات. هذا الانتقال في أوقات النوم قد يؤثر سلبًا على جودة النوم واستعادة الجسم للطاقة بعد التمارين أو المباريات، مما يعيق عملية الاستشفاء الطبيعي للعضلات. وفي الظروف العاديّة، يتطلب جسم الرياضي 48 ساعة أو أكثر بين مباراة وأخرى لاستعادة الطاقة. لكن عندما تتكدس المباريات في أوقات الصيام، قد يصبح الضغط البدني مرتفعًا وغير محتمل على المدى الطويل.
آراء الأطباء… خطورة اللعب أثناء الصيام
في قضية احتدمت وتصدر الصفحات الرياضية مؤخراً، تواصلت “24/24” مع العديد من الأطباء والمتخصصين في الطب الرياضي والتغذية، الذين أكدوا أن اللعب وقت الصيام في أوقات متأخرة قبل الإفطار يمثل خطرًا صحيًا واضحًا خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمجهود البدني المكثف كما هو الحال في مباريات كرة القدم الاحترافية.
وأجمع الأطباء على النقاط التالية أولا فقدان السوائل أثناء اللعب يمكن أن يرفع درجة حرارة الجسم ويُجهد القلب لأن الدم يحتاج أن يضخ أكثر لتبريد الجسم، ما قد يؤدي إلى إجهاد شديد أو حتى دوار في الحالات القصوىوانخفاض مستويات السكر في الدم قد يسبب الشعور بالدوار أو انخفاض التركيز، وهو أمر بالغ الخطورة خلال مباراة حاسمة. والصيام المترافق مع عدم تعويض السوائل بعد التدريب قد يؤثر على العضلات ويزيد من نسبة الإصابة بسبب إرهاق الأنسجة.
كل هذه العوامل تجعل من اللعب في وقت النهار أثناء رمضان، قبل الإفطار، عاملًا مضاعفًا لخطر الإصابة وتحمل الجسم مجهودًا يفوق طاقته الطبيعية.
آراء اللاعبين والمدربين .. فوق الطاقة
إلى جانب الشهادات الطبية، تحدثت “24/24” مع عدد من اللاعبين الذين أسهبوا في الحديث عن معاناتهم خلال مباريات رمضان. بعضهم قال إن اللعب أثناء الصيام في وقت الزوال يمثل تحديًا نفسيًا قبل أن يكون بدنيًا، مؤكدين أنه حتى كبار اللاعبين يجدون صعوبة في التحكم في مستوى طاقتهم وتركيزهم.
وقد صرح عددٌ منهم بأنهم ليسوا ضد اللعب بحد ذاته، لكنهم يطالبون بتعديل التوقيت لتفادي المباريات قبل الإفطار مباشرةً.
من جانب آخر، أكد بعض المدربين أنهم أحيانًا يجدون صعوبة في اختيار التشكيلة المناسبة لأن بعض اللاعبين يُفضلون الصوم الكامل، بينما آخرون يضطرون إلى الإفطار أثناء الشوط بسبب الإرهاق الشديد. عن ذلك، قال أحد المدربين”هناك لاعبون أفطروا وسط المباراة لأن الجفاف والإرهاق كانا فوق الطاقة” هذه شهادة صادمة تكشف عن الضغوط التي يتحملها اللاعبون في مثل هذه الظروف.
هل تتحمل الجامعة المسؤولية؟
أحد أكثر النقاط التي يتم تداولها في هذا الجدل هو السبب وراء برمجة المباريات في وقت النهار بدلاً من تأجيلها إلى بعد الإفطار. ووفق تصريحات بعض المسؤولين والمدربين التي أوردتها وسائل إعلام عدة، تتمسك الجامعة التونسية لكرة القدم والرابطة المحترفة الاولى بتوقيت المباريات في النهار لأسباب تتعلق بنقص الإنارة في معظم الملاعب التي لا تتيح إجراء المباريات ليلاً بسبب ضعف التجهيزات ، إضافة الى مخاوف أمنية وتنظيمية حول إقامة مباريات في أوقات متأخرة من الليل، ما قد يصعب تأمين الجماهير والنقل وفرق العملويقول البعض إن هذه الحجج تبدو أبسط من أن تُقدّم كتبرير وحيد، فمن المفترض أن تكون هناك خطط بديلة أو إعادة جدولة خاصة خلال شهر رمضان بدلاً من إجبار اللاعبين على مثل هذا المجهود. ومع ذلك، يرى مسؤولو الرابطة والجامعة أن تأجيل المباريات أو لعبها ليلاً قد يكون صعبًا بسبب تكلفة تجهيز الملاعب بالأضواء الكاشفة ونقص عدد الملاعب المؤهلة لاستضافة مباريات ليلية إضافة الى
التزامات النقل التلفزيوني والعقود الموقعة مسبقًا.
لكن هذه التبريرات لا تلقى قبولًا واسعًا في الشارع الرياضي، الذي يرى أن حياة اللاعبين وصحتهم يجب أن تكون أولوية، وأن تأمين مباريات ليلية لمدة شهر لا يتطلب أكثر من إرادة تنظيمية واستثمارات بسيطة مقارنة بأهمية المنافسة الرياضية. فرمضان ليس مجرد شهر صيام بل هو شهر عبادة والتزامات روحية ونفسية. وهو أيضًا وقت يقدر فيه الرياضيون والنشطاء الرياضيون أهمية احترام الممارسات الدينية، سواء كانوا صائمين أم لا. وبينما يحترم كثير من اللاعبين دينهم ويصومون، يرى آخرون أن الظروف قد تجبرهم على كسر صيامهم أثناء المباراة حفاظًا على صحتهم، وهو ما يعتبره البعض وضعًا غير عادل. وهذا يزيد من الشكوك بشأن ما إذا كان قرار الرابطة والجامعة يأخذ في الاعتبار البعد الديني والإنساني بشكل كاف.
حلول مقترحة… هل هي ممكنة؟
في ظل هذا الجدل، أصبحت هناك عدة مطالبات من مختلف الأطراف كتأجيل مباريات الرابطة المحترفة في رمضان فالعديد من الأندية واللاعبين يقترحون تأجيل الدوريات أسبوعين إلى شهر رمضان ثم استئنافها بعد رمضان في أوقات أكثر ملاءمة او اللعب بعد الإفطار اقتراح آخر يتم التداول فيه على نطاق واسع هو تحديد توقيتات تبدأ بعد آذان المغرب (بعد الإفطار)، مما يتيح للاعبين تناول طعامهم وشرب الماء ثم بدء المباراة بساعة أو أكثر. و تأمين ملاعب بإضاءة ليلية بالاستثمار في إنارة الملاعب الحديثة قد يكلف مبالغ معينة، لكنه يضمن سلامة اللاعبين والجمهور، ويمنح مرونة في تحديد مواعيد المباريات.
بين الصحة والدين والتنظيم
يبقى الجدل حول مباريات الرابطة المحترفة الأولى في رمضان موضوعًا مفتوحًا، لكن ما لا يمكن إنكاره هو:
هناك مخاطر صحية فعلية على اللاعبين عند اللعب وهم صائمون خلال النهار، خصوصًا قبل الإفطار بفترة طويلة.
الجامعة ورابطة الدوري تتحملان جزءًا كبيرًا من المسؤولية في اتخاذ قرارات توقيت المباريات دون مراعاة كاملة للأبعاد الصحية والدينية. الأسباب الأمنية والتنظيمية تُستخدم كتبرير أساسي، لكن هناك حلول عملية يمكن تطبيقها لتخفيف العبء عن اللاعبين. اللاعبون والمدربون أنفسهم يعانون من هذا التوقيت، وقد أكدوا صعوبة المواصلة في مثل هذه الظروف.
في النهاية، يبقى السؤال الأخطر هل يعقل أن يستمر هذا النمط من التوقيت في مبارياتنا خلال شهور الصيام؟ أم أن هناك وقتًا لوقف هذا الجدل والتصرف بروح إنسانية قبل أن يكون رياضية؟


