ازمة تتجدد في كل مونديال…تحكيمنا خارج الموضوع

لم يكن غياب التحكيم التونسي عن المواعيد الكبرى وعلى راسها كاس العالم حدثا عابرا يمكن تفسيره بسوء حظ او اختيارات ظرفية، بل جاء ليعيد طرح سؤال قديم يتجدد حول واقع منظومة التحكيم في كرة القدم. فحين تغيب الصافرة التونسية عن اكبر المحافل الدولية، يصبح من الصعب تجاهل مؤشرات التراجع او الاكتفاء بتبريرات تقنية لا تلامس عمق الاشكال.

ومازال حضور الحكم التونسي في المسابقات المحلية قائما من حيث العدد والانتشار، لكن هذا الحضور لا يترجم الى حضور دولي بنفس الوزن و الفارق هنا لا يتعلق فقط بمستوى الحكام كافراد بل يعكس خللا في المنظومة ككل، بداية من التكوين مرورا بالتقييم ووصولا الى طرق التدرج داخل هرم التحكيم، فالمحافل الكبرى لم تعد تفتح ابوابها الا لحكام يخضعون لمسارات دقيقة من الاعداد البدني والتقني والذهني، وهو ما يطرح سؤال مدى جاهزية المنظومة المحلية لمواكبة هذه المتطلبات.

حضور محلي وغياب دولي

و تتعدد التفسيرات حول اسباب هذا الغياب، لكن المعطيات الميدانية تشير الى فجوة واضحة بين المستوى المحلي والمعايير الدولية ويتم  في البطولات الكبرى تقييم الحكم وفق منظومة دقيقة تعتمد على تفاصيل صغيرة تتعلق بتمركزه داخل الملعب وسرعة اتخاذ القرار وقدرته على ادارة المباراة نفسيا قبل ان تكون فنيا. وهذه المعايير تفرض نسقا عاليا من العمل اليومي والتقييم المستمر، في حين يظل التحكيم المحلي في كثير من الاحيان رهين نسق موسمي مرتبط بالمباريات دون وجود منظومة متابعة دقيقة خارجها.

كما ان اعتماد التقنيات الحديثة مثل تقنية الفيديو المساعد لم يرافقه دائما تطوير مواز في كفاءة الاستعمال. فالتقنية لا تعوض الحكم بل تفرض عليه مستوى اعلى من التركيز والانضباط، وهو ما يكشف في بعض الحالات عن محدودية التاقلم مع متطلبات التحكيم الحديث. النتيجة هي بروز اخطاء تثير الجدل محليا وتضعف صورة الحكم التونسي خارجيا.

ازمة تكوين ام خلل منظومة

و الاشكال لا يقف عند حدود الاداء داخل الملعب بل يمتد الى مرحلة التكوين، فالمسار الذي يمر به الحكم منذ بداياته يفتقر في كثير من الاحيان الى الاستمرارية والوضوح و التكوين النظري موجود لكن التطبيق الميداني يظل محدودا، كما ان التاطير لا يواكب دائما التطورات التي يشهدها التحكيم على المستوى العالمي.

في المقابل تعتمد الاتحادات الكروية المتقدمة على برامج تكوين طويلة المدى تشمل الاعداد البدني والتقني والنفسي، مع تقييم دوري يحدد نقاط القوة والضعف لكل حكم و هذا النوع من البرامج لا يبدو مستقرا بالقدر الكافي في المنظومة المحلية، وهو ما يجعل بروز حكام قادرين على المنافسة الدولية امرا صعبا.

و يضاف الى ذلك غياب مسار واضح لصناعة حكم دولي. فالوصول الى هذه المرتبة لا يتم فقط عبر ادارة مباريات محلية بل يحتاج الى تخطيط مسبق يحدد الحكام الذين سيتم الاستثمار فيهم وتوفير الظروف اللازمة لتطويرهم و دون هذا التصور يتحول التدرج الى عملية عشوائية تفتقر الى الهدف.

و لا يمكن عزل ازمة التحكيم عن البيئة الكروية العامة، فالحكم في البطولة المحلية يواجه ضغوطا كبيرة سواء من الاندية او الجماهير او المحيط الاعلامي و هذه الضغوط لا تتوقف عند حدود النقد بل قد تتحول الى حملات تشكيك مستمرة في نزاهة القرارات، وهو ما يؤثر على ثقة الحكم في نفسه وعلى قدرته على ادارة المباريات بهدوء.

كما ان غياب الحماية الكافية للحكام يجعلهم اكثر عرضة للتاثر بهذه الضغوط. في بعض الحالات يصبح الحكم مطالبا باتخاذ قرارات مصيرية في اجواء مشحونة دون ان تتوفر له كل شروط العمل المريحة. هذا المناخ لا يساعد على تطوير الاداء بل يدفع في اتجاه الحذر المفرط او التردد، وهما عاملان يتعارضان مع متطلبات التحكيم الحديث.

و تساهم البيئة نفسها في تكريس صورة سلبية عن التحكيم، حيث يتحول كل خطا الى قضية راي عام، في حين لا يتم تثمين الاداء الجيد بنفس الدرجة. هذا الاختلال في التقييم يخلق حالة من عدم التوازن ويزيد من صعوبة بناء مسار مهني مستقر للحكم.

الاصلاح المؤجل وكلفة التراجع

و رغم تعدد الحديث عن اصلاح منظومة التحكيم، فان الاجراءات الملموسة تظل محدودة و التركيز غالبا يكون على معالجة الاخطاء بعد وقوعها بدل العمل على منعها من الاساس. هذا الاسلوب يجعل الاصلاح في حالة تاخر دائم، حيث يتم التعامل مع النتائج بدل الاسباب.

ويقتضي الاصلاح الحقيقي اعادة النظر في كامل المنظومة، من التكوين الى التقييم مرورا بالحوكمة. لا يمكن تطوير التحكيم دون توفير اطار واضح يحدد المسؤوليات ويضمن الشفافية في التعيينات والتقييمات. كما ان الاستثمار في التكوين يجب ان يتحول الى اولوية وليس مجرد اجراء تكميلي.

و لا تقتصر كلفة هذا التاخير على غياب الحكام عن المحافل الدولية بل تمتد الى صورة كرة القدم الوطنية ككل. فضعف التحكيم ينعكس على مستوى البطولة ويؤثر على مصداقيتها، كما يحد من قدرة الاندية على التطور في بيئة تنافسية عادلة.

و يبدو ان ازمة التحكيم ليست نتيجة خلل واحد بل هي نتاج تراكمات تشمل التكوين والبيئة والحوكمة. 

Related posts

منظمة الدفاع عن المستهلك تحذر من استهلاك مشروب جزائري يحتوي على ملون (E102)

الداخلية تُصدر بلاغا مروريا بمناسبة عطلة عيد الفطر المُبارك

أحمد صواب يوجه رسالة من سجنه إلى الرأي عام: “أدفع اليوم حرّيتي ثمنا لقيم نذرت لها حياتي”

Na Da