تطبيقا لما ورد في قانون المالية:نحو اعلان الزيادة في الاجور في عيد الشغل

تتجه الانظار خلال الاسابيع القليلة القادمة نحو موعد الاول من ماي الذي يوافق عيد الشغل وسط ترجيحات متزايدة بان يكون هذا التاريخ محطة رسمية للاعلان عن الزيادة في الاجور في القطاعين العام والخاص.

و تجدر الاشارة الى ان قانون المالية لسنة 2026 قد اقر ضمن فصوله و احكامه زيادة في الاجور في القطاعين العام و الخاص و في جرايات المتقاعدين، على أن تصدر هذه الزيادة بأمر، وثمة فرضيات كبرى بأن يترافق صدور هذا الامر في الأول من شهر ماي المقبل.

ترجيحات قوية

ويستند هذا الترجيح الى اكثر من معطى متقاطع ابرزها التسارع الملحوظ في نسق الحديث الرسمي عن الزيادات المرتقبة في الاجور الى جانب عودة هذا الملف بقوة الى صدارة المشهد العام بعد اشهر من الجدل والتأويلات. كما ان اختيار عيد الشغل كموعد للاعلان يكتسي دلالة رمزية وسياسية باعتباره مناسبة مرتبطة تاريخيا بحقوق العمال وتحسين اوضاعهم المعيشية وهو ما يمنح القرار المنتظر بعدا اجتماعيا واضحا.

في خلفية هذا المسار يبرز قانون المالية لسنة 2026 باعتباره الاطار المرجعي الذي تمت ضمنه برمجة الزيادة في الاجور فقد نص صراحة على الترفيع في الاجور والجرايات ضمن توجه يمتد على سنوات متعددة في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار الاجتماعي والاكراهات المالية للدولة.

ومنذ المصادقة على هذا القانون لم يتوقف الجدل حول كيفية تنزيل هذه الزيادات على ارض الواقع سواء من حيث نسبها او توقيت صرفها او الفئات المعنية بها، وقد غذت حالة الغموض التي رافقت غياب النصوص الترتيبية في البداية هذا الجدل حيث تعددت القراءات والتأويلات وتباينت التقديرات بين من تحدث عن زيادات محدودة ومن توقع نسبا اكبر تستجيب لانتظارات الشغالين.

وفي هذا السياق شهدت الفترة الاخيرة تطورا لافتا مع تكثف اللقاءات الرسمية التي تناولت هذا الملف وفي مقدمتها الاجتماع الذي جمع رئيس الجمهورية بوزير الشؤون الاجتماعية والذي تم خلاله التأكيد على ضرورة التسريع في تفعيل الزيادات المقررة و هذا اللقاء اعتبره مراقبون اشارة واضحة الى انتقال الملف من مرحلة النقاش الى مرحلة التنفيذ الفعلي.

كما زادت تصريحات رئيس الجمهورية الاخيرة منسوب الترقب خاصة تلك التي ادلى بها خلال اشرافه على احياء ذكرى رحيل الزيعم الحبيب بورقيبة في ولاية المنستير حيث شدد على ان الزيادة في الاجور تم اقرارها ضمن قانون المالية وان العمل جار على تجسيدها بما يضمن تلبية حاجيات المواطنين، وقد اعتبر هذا التصريح بمثابة تأكيد سياسي مباشر على قرب تفعيل هذا الاجراء.

ولم تقتصر هذه التصريحات على التاكيد العام بل شملت ايضا الدعوة الى استكمال الاطار الترتيبي اللازم لتطبيق الزيادات وهو ما يعكس وجود توجه عملي نحو المرور الى التنفيذ بعد استيفاء الشروط القانونية والادارية.

مطلب اجتماعي و ضغوط

وتكتسي هذه الزيادة اهمية خاصة في ظل الضغوط المتزايدة التي تعيشها القدرة الشرائية للمواطن نتيجة الارتفاع المتواصل للاسعار خلال السنوات الاخيرة. فقد ادى التضخم وارتفاع كلفة المعيشة الى تراجع ملموس في مستوى العيش لدى فئات واسعة من التونسيين وهو ما جعل من مسالة الترفيع في الاجور مطلبا اجتماعيا ملحا.

وتندرج هذه الخطوة ضمن محاولة اعادة التوازن بين الدخل والانفاق خصوصا بالنسبة للاجراء الذين تضرروا بشكل مباشر من ارتفاع اسعار المواد الاساسية والخدمات. كما ينظر الى هذه الزيادة باعتبارها اداة من ادوات التهدئة الاجتماعية في سياق اقتصادي يتسم بالتعقيد والحساسية.

غير ان اهمية هذا الاجراء لا تحجب التحديات التي تطرحها مسالة تحديد نسبة الزيادة حيث لا تزال هذه النقطة محل غموض الى حد الان، فبين تقديرات تحدثت عن نسب محدودة في حدود بضعة نقاط مئوية وبين مطالب تدعو الى زيادات اكبر يبقى القرار النهائي رهين معادلة دقيقة تاخذ بعين الاعتبار جملة من العوامل الاقتصادية والمالية.

ويكمن التعقيد في هذا الملف في ضرورة التوفيق بين هدف تحسين القدرة الشرائية من جهة والحفاظ على التوازنات المالية للدولة من جهة اخرى، فاي زيادة في الاجور سيكون لها انعكاس مباشر على كتلة الاجور في الميزانية وهو ما يفرض البحث عن موارد تمويل اضافية او اعادة ترتيب الاولويات في الانفاق العمومي وفق ما اكدت وزيرة المالية في وقت سابق.

كما ان هذه الزيادة تطرح بدورها تساؤلات حول انعكاساتها على التضخم اذ يحذر بعض الخبراء من ان تؤدي زيادات غير مدروسة الى تغذية دوامة ارتفاع الاسعار وهو ما قد يقلص من اثرها الايجابي على القدرة الشرائية و في المقابل يرى اخرون ان عدم الترفيع في الاجور في ظل الوضع الحالي قد يؤدي الى مزيد من التدهور الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق تبدو الحكومة امام خيار دقيق يتطلب توازن دقيق بين مختلف الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من تعقيد هذه المهمة السياق الدولي المتقلب والضغوط المالية التي تواجهها البلاد سواء على مستوى المديونية او على مستوى تمويل الميزانية.

وفي خضم هذه المعطيات يظل العامل السياسي حاسما في تحديد توقيت الاعلان عن الزيادة وشكلها النهائي. فاختيار موعد عيد الشغل يحمل في طياته رسالة سياسية واجتماعية مفادها ان الدولة ماضية في الاستجابة لمطالب الشغالين رغم الصعوبات وهو ما قد يساهم في تعزيز الثقة في السياسات العمومية.

كما ان هذا التوقيت يمنح القرار بعدا رمزيا يعيد ربط السياسات الاقتصادية بالبعد الاجتماعي في لحظة تتزايد فيها المطالب بتحقيق قدر اكبر من العدالة الاجتماعية،ويبدو ان هذا البعد يحضر بقوة في الخطاب الرسمي الذي يؤكد باستمرار على ضرورة حماية الفئات الهشة وضمان الحد الادنى من العيش الكريم.

ومع اقتراب هذا الموعد المرتقب تتجه الانظار الى التفاصيل التي سترافق هذا الاعلان سواء من حيث نسب الزيادة او روزنامة تطبيقها او الفئات التي ستشملها. كما يترقب الفاعلون الاجتماعيون كيفية تفاعل الحكومة مع المطالب النقابية ومدى قدرتها على تحقيق توازن يرضي مختلف الاطراف.

ويبدو ان ملف الزيادة في الاجور دخل مرحلته الحاسمة بعد مسار طويل من الجدل والانتظار، وبين ترجيحات الاعلان في الاول من ماي وتاكيدات رسمية على قرب التفعيل يبقى الرهان الاساسي هو مدى قدرة هذا الاجراء على تحقيق الاهداف المرجوة وفي مقدمتها تحسين القدرة الشرائية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي دون الاضرار بالتوازنات المالية.

واذا ما تم الاعلان فعلا عن هذه الزيادة في عيد الشغل فان ذلك سيشكل محطة بارزة في المسار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد .

Related posts

المدير العام للديوان الوطني للحماية المدنية يشارك في فعاليات الدورة 15 لمعرض الأمن والسلامة بموسكو

Ra Mzi

القصرين: إيداع رئيس بلدية سابق و 3 موظفين السجن

قطاع الصناعات المعملية..توّقعات بتحسن الاستثمارات في 2026

Rahma Khmissi