اليوم يحسم البرلمان في اتفاقيات انتاج الكهرباء

تتجه الانظار الى مجلس نواب الشعب الذي يعقد جلسة عامة اليوم الثلاثاء 28 افريل 2026 للنظر في حزمة من مشاريع القوانين المرتبطة بقطاع الطاقة.

و تتعلق مشاريع القوانين   بلزمات لانتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفولطاضوئية, حيث تاتي هذه الجلسة في سياق اقتصادي وطاقي دقيق تعيشه البلاد، يتسم بتصاعد الضغط على الموارد الطاقية التقليدية وتتزايد الحاجة الى بدائل مستدامة قادرة على تقليص العجز وتعزيز الامن الطاقي.

وقد سبق للجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة ان صادقت على هذه المشاريع باغلبية اعضائها الحاضرين بعد سلسلة من جلسات الاستماع انطلقت منذ شهر فيفري، وشملت ممثلين عن الحكومة وخبراء ومنظمات مهنية وهياكل رسمية على غرار الشركة التونسية للكهرباء والغاز ووزارة البيئة وعمادة المهندسين. وهذا المسار التشاوري كشف عن تباين في المواقف بين داعم يعتبر هذه المشاريع ضرورة عاجلة، ومتحفظ يدعو الى مزيد التدقيق في بعض الجوانب الفنية والاقتصادية والسيادية.

مشاريع كبرى واستثمارات ثقيلة

و تتوزع المشاريع المعروضة على 5 محطات للطاقة الشمسية موزعة جغرافيا بين ولايات سيدي بوزيد وقفصة وقابس، في مناطق الخبنة والمزونة والقصر وسقدود ومنزل الحبيب.

وتندرج هذه المحطات ضمن البرنامج الوطني للطاقات المتجددة الذي تسعى من خلاله الدولة الى رفع مساهمة الطاقات النظيفة في المزيج الطاقي وتقليص التبعية للمحروقات المستوردة.

وتبلغ الكلفة الجملية لهذه المشاريع نحو 1640 مليون دينار، بطاقة انتاج مركزة تقدر بحوالي 600 ميغاواط، مع قدرة سنوية على انتاج ما يقارب 1560 جيغاواط من الكهرباء. هذه الارقام تعكس حجم الرهان المطروح، خاصة في ظل الارتفاع المستمر لاسعار الطاقة في الاسواق العالمية.

وتشير التقديرات الرسمية الى ان دخول هذه المشاريع حيز الاستغلال سيمكن من تقليص واردات الغاز الطبيعي بما يعادل 310 الاف طن مكافئ نفط سنويا، وهو ما يمثل نسبة معتبرة من الواردات، الى جانب تحقيق وفر في العملة الصعبة يناهز 290 مليون دينار سنويا. كما ينتظر ان تساهم هذه الاستثمارات في دفع التنمية الجهوية عبر خلق مواطن شغل سواء خلال مرحلة الانجاز او عند الاستغلال.

من جهة اخرى، تفيد المعطيات ان كلفة شراء الكهرباء المنتجة من هذه المحطات ستكون اقل من تلك المنتجة انطلاقا من الغاز الطبيعي المورد، التي تبلغ في المعدل حوالي 300 مليم للكيلوواط ساعة، وهو ما يعزز الجدوى الاقتصادية لهذه الخيارات على المدى المتوسط والبعيد.

 

لزمات طويلة وشروط تعاقدية خاصة

 

و تعتمد المشاريع المقترحة على صيغة اللزمات، حيث يتم اسناد حق استغلال المحطات لمستثمرين لمدة تمتد في اغلب الحالات الى 25 سنة، مع استثناء يتعلق بمحطة سقدود التي تضبط مدة استغلالها في 20 سنة قابلة للتمديد. وخلال هذه الفترة يتم بيع كامل الانتاج حصريا الى الشركة التونسية للكهرباء والغاز وفق تعريفة يتم تحديدها مسبقا.

وبانتهاء مدة اللزمة، تنتقل ملكية المحطات الى الدولة عبر الشركة الوطنية مقابل مبلغ رمزي، او يتم تفكيكها واعادة المواقع الى وضعها الاصلي على نفقة المستثمر، بحسب ما تنص عليه الاتفاقيات.

كما تتضمن هذه العقود جملة من الحوافز لفائدة المستثمرين، من بينها اعفاءات جبائية تمتد لخمس سنوات وقد تصل الى 10 سنوات في بعض الحالات، فضلا عن اجراءات خاصة للتعامل مع التغييرات التشريعية وفض النزاعات عبر التحكيم الدولي.

 

رهانات و جدل

 

وقد اثارت هذه العناصر  نقاشا واسعا حول التوازن بين جذب الاستثمار الاجنبي وتامين المصلحة الوطنية، خاصة في ظل حساسية قطاع الطاقة وارتباطه المباشر بالسيادة الاقتصادية.

وخلال جلسات الاستماع البرلمانية، شددت الحكومة على الطابع الاستراتيجي لهذه المشاريع، حيث اعتبرت وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة ان تسريع انجاز الاستثمارات في مجال الطاقات المتجددة يمثل خيارا سياديا لضمان امن التزود بالكهرباء في السنوات القادمة.

كما قدم كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي معطيات رقمية تعكس حجم التحدي، اذ سجلت البلاد خلال سنة 2025 عجزا في ميزان الطاقة الاولية بلغ 6.3 ملايين طن مكافئ نفط، بما يمثل حوالي 65 بالمائة من الحاجيات، في حين لم يتجاوز الانتاج الوطني من الغاز نسبة 23 بالمائة من الاستهلاك.

وتسعى الدولة الى رفع حصة الطاقات المتجددة في انتاج الكهرباء الى 35 بالمائة في افق 2030، ثم الى 50 بالمائة بحلول سنة 2035، وهو ما يفرض تسريع وتيرة المشاريع الكبرى وتحسين مناخ الاستثمار في هذا القطاع.

في المقابل، عبر ممثلو المنظمات المهنية عن ضرورة التعجيل بتنفيذ هذه المشاريع، مشيرين الى ان التأخير لم يعد مقبولا في ظل تفاقم العجز الطاقي وارتفاع كلفة التوريد. كما دعوا الى تبسيط الاجراءات الادارية عبر احداث شباك موحد للتراخيص ومعالجة الاشكاليات المرتبطة بالربط بالشبكة الكهربائية، مؤكدين ان تونس مازالت متاخرة مقارنة بعديد الدول التي لا تتجاوز فيها مدة الربط بضعة ايام.

و رغم التوافق الحاصل حول اهمية التوجه نحو الطاقات النظيفة، فقد برزت خلال مناقشة المشاريع جملة من التحفظات التي طرحها نواب وخبراء، خاصة فيما يتعلق ببعض الجوانب التقنية والاقتصادية.

فقد اشار خبراء الى ان القدرة الحالية للطاقات المتجددة في تونس تبلغ 1086 ميغاواط، اي ما يعادل 15 بالمائة من القدرة المركبة، لكنها لا تمثل سوى 6 بالمائة من الانتاج الفعلي، وهو ما يستوجب تحسين النجاعة التقنية للمشاريع المستقبلية.

كما اكدوا ان الطاقة الشمسية تعد الخيار الانسب للبلاد بالنظر الى الامكانيات الطبيعية المتوفرة، مع الدعوة الى انجاز المشاريع المقترحة في اقرب الاجال لما ستضيفه من نسبة تفوق 11 بالمائة الى المزيج الطاقي، مع التاكيد على ضرورة اجراء دراسات بيئية وجيولوجية معمقة ومراجعة بعض طرق احتساب الانتاج.

من جهتها، شددت عمادة المهندسين على ان مفهوم السيادة الطاقية لا يقتصر على الانتاج فقط، بل يشمل كذلك التحكم في الشبكات والتخزين والانظمة الرقمية والامن السيبراني، داعية الى الاستثمار في تقنيات البطاريات وتعزيز الربط الكهربائي مع الخارج، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتحولات المناخية والرسوم الكربونية التي قد تؤثر على تنافسية الصادرات.

 

ملف الكربون وجدلية الامتيازات

 

ومن بين النقاط التي اثارت جدلا داخل اللجنة مسالة ارصدة الكربون، حيث اكدت وزارة البيئة ان تونس دخلت في شراكات دولية في المجال المناخي مع عدد من الدول، وان اليات تبادل هذه الارصدة يمكن ان توفر تمويلات اضافية وتدعم نقل التكنولوجيا، غير ان عددا من النواب طالبوا بضمان بقاء هذه الارصدة تحت سيادة الدولة وعدم التفريط فيها، بالنظر الى قيمتها المستقبلية المتنامية في الاسواق الدولية.

كما شملت التحفظات الامتيازات الجبائية الممنوحة للمستثمرين الاجانب، حيث دعا بعض النواب الى مراجعتها بما يضمن تحقيق توازن افضل، الى جانب المطالبة بتعزيز حضور المستثمر التونسي في هذه المشاريع وعدم الاكتفاء بدور ثانوي.

وطرحت كذلك مسالة طول مدة اللزمات، حيث اعتبر البعض انها طويلة نسبيا، داعين الى التفكير في صيغ تعاقدية اكثر مرونة في المستقبل، فضلا عن التساؤل حول امكانية انجاز هذه المشاريع مباشرة من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز او في اطار شراكات وطنية.

و في ضوء هذه المعطيات، تبدو الجلسة العامة المرتقبة حاسمة في رسم ملامح المرحلة القادمة في قطاع الطاقة. فالمصادقة على هذه الاتفاقيات ستفتح الباب امام استثمارات كبرى وتدفع بالانتقال الطاقي الى مرحلة متقدمة.

 

 

 

Related posts

ليلى حداد: ضرورةالإسراع في حل البرلمان و تنقيح القانون الانتخابي

root

مبعوث جمهورية زامبيا إلى تونس يجلب رسالة موجّهة إلى رئيس الجمهورية من قبل نظيره الزامبي

Na Da

رئيس الجمهورية يزور سجنان ويصغي الى مشاغل المواطنين

صابر الحرشاني