ما حدث في قضية الفنان لطفي بوشناق لا يمكن النظر إليه كحادثة عابرة تخص شخصية عامة تعرضت لهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو نموذج لظاهرة تتوسع” وهي تزييف الوعي الجماعي عبر التضليل الرقمي وصناعة الانطباعات الكاذبة.
و تشير الحملة التي تعرض اليها الفنان لطفي بوشناق إلى تعمد استعمال مضمون خارج سياقه الزمني والإنساني لإنتاج اتهام جديد يخدم حالة احتقان سياسي واجتماعي قائمة، فحين يعاد نشر عمل فني يعود إلى سنوات مضت، ثم يقدم للجمهور على أنه موقف راهن من قضية ملتهبة، فإننا لا نكون أمام معلومة خاطئة فحسب، بل ربما أمام عملية متكاملة لإعادة تشكيل الإدراك العام، و لا يرى المتلقي هنا الحقيقة كما هي، بل يستهلك نسخة مصنوعة بعناية، تقوم على حذف الزمن، وإلغاء السياق، وتوجيه العاطفة نحو استنتاج معين. وهذه أخطر أدوات التضليل الحديثة، لأنها لا تعتمد دائما على الكذب المباشر، بل على نصف الحقيقة أو الحقيقة المبتورة.
ثقافة الاندفاع
وقد كشف ما تعرض له لطفي بوشناق كيف يمكن لمقطع قصير أو منشور سريع أن يحول فنانا صاحب تاريخ طويل إلى متهم في ساعات قليلة، حيث ان الجمهور واسع لم يبحث عن أصل المادة، ولم يسأل عن تاريخها، ولم يتثبت من ظروف إنتاجها، بل اندفع إلى إصدار الأحكام. وهذه السرعة في الإدانة ليست صدفة، بل نتيجة بيئة رقمية تقوم على الإثارة والانفعال أكثر من قيامها على التثبت والعقلانية.
ومن المعلوم أن منصات التواصل الاجتماعي بطبيعتها تكافئ المحتوى الصادم والغاضب والمثير للجدل، حيث أن المنشورات الهادئة التي تقدم توضيحات موثقة غالبا ما يكون انتشارها أقل من مقطع غاضب أو اتهام حاد، ولهذا يجد صانعو التضليل في هذه البيئة أرضا خصبة ، فيكفي عنوان مستفز، وصورة منتزعة من سياقها، وتعليق يوحي بالخيانة أو العمالة أو الفساد، حتى يبدأ التفاعل، ثم تتكفل الخوارزميات بتوسيع الانتشار.
ويكمن الخطر الأكبر في تزييف الوعي أنه لا يضر الأفراد فحسب، بل يضرب ثقة المجتمع في نفسه، فعندما يعتاد الناس على استقبال معلومات مشوهة، يصبح من الصعب التمييز بين الحقيقي والمفبرك. ومع الوقت، يتحول الشك إلى حالة عامة، وتصبح كل الشخصيات والمؤسسات والوقائع محل ارتياب دائم، و عندها يفقد المجتمع قدرته على النقاش الرشيد، لأن أساس النقاش نفسه، أي الحقيقة المشتركة، يصبح مفقودا.
دفع النخب الى الانسحاب
كما أن الخطير في موضوع التشويه عبر التظليل و حملات التشويه المتكررة انها تدفع الكفاءات والمبدعين إلى الانسحاب من الفضاء العام نتيجه تدمر سمعته، وقد يفضل الصمت على المشاركة وهنا يخسر المجتمع أصواتا و اراءمهمة، بينما يزداد حضور أصحاب الضجيج والفوضى الرقمية.
وتبدو في حالة لطفي بوشناق، ان الأمر لا يتعلق بفنان مشهور فحسب، بل برمز ثقافي ارتبط في الذاكرة العامة بأعمال وطنية وإنسانية، اذ يسبب استهداف الرموز بهذه الطريقة أحيانا إلى كسر المعنى الجمعي نفسه، و حين تسقط الرموز في نظر الناس عبر حملات مفبركة، يشعر المجتمع بأن لا أحد يستحق الاحترام، وأن كل التاريخ قابل للتشويه. وهذه بيئة مثالية للعدمية وفقدان الثقة.
استهداف الرموز بهذه الطريقة أحيانا إلى كسر المعنى الجمعي نفسه، و حين تسقط الرموز في نظر الناس عبر حملات مفبركة، يشعر المجتمع بأن لا أحد يستحق الاحترام، وأن كل التاريخ قابل للتشويه. وهذه بيئة مثالية للعدمية وفقدان الثقة.
كيف يتصاعد تزييف الوعي؟
وإزاء هذا الوضع تتصاعد الاسئلة حول كيفية” نجاح” عمليات تزييف الوعي لمعرفة كيف يمكن التوقي منها، اذ يقدو من بين اهم الاسباب الاستهلاك السريع للمحتوى فكثيرون يكتفون بالعناوين دون قراءة التفاصيل، وبالمقاطع القصيرة دون معرفة المصدر.
ويتعلق السبب الثاني وفق المختصين في ميل العامة إلى تصديق ما يوافق غضبه أو مواقفه السياسية. فإذا كان غاضبا من ملف الهجرة مثلا فقد يصدق بسرعة أي محتوى يهاجم من يظنهم في الضفة المقابلة، كما ان ضعف الثقافة الإعلامية والرقمية أحد اهم الاسباب، حيث لا يملك عدد كبير من المستخدمين أدوات التحقق الأساسية.
أي حلول ؟
و بناء على ذلك يقوم التوقي من تزييف الوعي على عدد من العوامل اهمها انتشار الوعي، لذلك على الجميع أن يتعامل مع كل مادة مثيرة للجدل بعدة أسئلة بسيطة، من نشرها؟ متى نشرت أول مرة؟ ما المصدر الأصلي؟ هل توجد نسخة كاملة منها؟ هل نقلتها وسائل موثوقة؟ هل تبدو مصممة لإثارة الغضب أكثر من نقل الحقيقة؟ وهذه الأسئلة البسيطة كفيلة بإسقاط كثير من حملات التضليل.
وفي مستوى ثان يجب التمييز بين الرأي والمعلومة، حيث من حق أي شخص أن يحب فنانا أو يكرهه، أن يؤيد موقفا أو يرفضه، لكن ليس من حقه بناء رأيه على معلومات مزورة لان الديمقراطية تحتاج إلى حرية التعبير، لكنها تحتاج أيضا إلى مسؤولية التعبير.
ومن الحلول المطروحة على المؤسسات الإعلامية أن تستعيد دورها المهني وان تكون قاطرة للتحقق في الاخبار الزائفة، فحين تترك الساحة بالكامل للصفحات المجهولة والمؤثرين الباحثين عن التفاعل، يصبح الجمهور فريسة سهلة. ان الإعلام الجاد مطالب بسرعة التحقق، وتقديم السياق، وكشف تقنيات التضليل، لا الاكتفاء بنقل الجدل كما هو.
ويجر الحديث هنا الى حاجة النظام التربوي إلى إدراج التربية الإعلامية والرقمية ضمن المهارات الأساسية فكما يتعلم التلميذ القراءة والكتابة، يجب أن يتعلم قراءة الصور، ويفهم الخوارزميات، واكتشاف التلاعب بالمحتوى لان الأمية الحديثة لم تعد متصلة بعدم معرفة الحروف، بل عدم معرفة كيفية عمل المعلومة.
ويبقى للقانون دور ضروري حين يتحول التضليل إلى ثلب منظم أو تشويه متعمد أو انتحال أو تحريض، غير أن القانون وحده لا يكفي، لأن سرعة الشائعة غالبًا أكبر من سرعة القضاء. لذلك تبقى الوقاية الثقافية والمجتمعية أهم من العلاج القضائي.
كما أن الشخصيات العامة مطالبة بدورها ببناء قنوات تواصل مباشرة مع جمهورها، لأن الفراغ المعلوماتي يملؤه الآخرون سريعا فالرد السريع، والشفاف، والمدعوم يحد من توسع الروايات الزائفة.
صابر الحرشاني
