هل صارت الأضحية عبئا اجتماعيا؟

مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يعود الجدل ذاته حول أسعار الأضاحي التي تواصل الارتفاع بشكل يرهق آلاف العائلات، خاصة في ظل وضع اقتصادي صعب وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.

ويكاد الحديث عن العيد يتحول في كثير من البيوت إلى حديث عن القروض والدَّين والبحث المضني عن “كبش بسعر معقول” أكثر من كونه مناسبة دينية وروحية تحمل معاني الطاعة والتقرب إلى الله.

وفي خضم هذا الواقع، يبرز سؤال يبدو ضروريا, مفاده هل تحولت الأضحية عند جزء من المجتمع من عبادة مرتبطة بالاستطاعة إلى التزام اجتماعي ثقيل يفرضه ضغط العادات ونظرة الناس؟ فالكثير من العائلات لم تعد تنظر إلى الأضحية باعتبارها شعيرة دينية قائمة على القدرة، بل أصبحت بالنسبة إليها امتحانا اجتماعيا تخشى الرسوب فيه أمام الأقارب والجيران والمحيط.

الغلاء يغيّر ملامح العيد

و لا يمكن إنكار أن ارتفاع أسعار الأضاحي معكى ثابت و يعود إلى أسباب ومتعددة، فمربّو الماشية يشكون منذ سنوات من غلاء الأعلاف وارتفاع كلفة التربية والنقل والتلقيح، إلى جانب تأثيرات الجفاف وتراجع أعداد القطيع، وهي عوامل ساهمت في تضخم الأسعار بشكل لافت. كما أن وجود المضاربين والوسطاء زاد من تعقيد الوضع، إذ تحوّل العيد بالنسبة إلى بعضهم إلى موسم للربح السريع دون اعتبار للأوضاع الاجتماعية الصعبة.

لكن الملاحظ أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أيضا نفسية واجتماعية. فكثير من العائلات باتت تدخل في سباق محموم لاقتناء الأضحية مهما كان الثمن، حتى إن بعض الأسر تلجأ إلى الاستدانة أو بيع حاجيات ضرورية أو التضحية بمصاريف أساسية من أجل شراء أضحية قد تتجاوز إمكانياتها بكثير.

وفي المقابل، يزداد الشعور بالإحراج لدى من لا يستطيعون مجاراة هذا النسق، خاصة في مجتمع ما تزال فيه نظرة الناس مؤثرة إلى حد بعيد، فهناك من يخشى كلام الجيران، ومن يتجنب استقبال الأقارب يوم العيد، ومن يشعر بأن أبناءه سيكونون محل مقارنة مع غيرهم، وهكذا تحولت مناسبة يفترض أن تكون مرتبطة بالسكينة والفرح إلى مصدر ضغط وتوتر وقلق.

الدين يربط العبادة بالاستطاعة

وسط هذا الجدل، يبدو ضروريا العودة إلى المعنى الديني الحقيقي للأضحية بعيدا عن التصورات الاجتماعية التي تراكمت مع الزمن.

والأضحية في الإسلام ليست فرضا على من لا يملك ثمنها، ولم يجعلها الدين سببا لإرهاق الإنسان أو إدخاله في ضيق مالي ونفسي.

فالقرآن الكريم وضع قاعدة واضحة تقوم على التقوى والاستطاعة، إذ يقول الله تعالى في سورة الحج:(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ), وفي آية أخرى يقول سبحانه:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

كما جاء في الحديث الشريف قول النبي ﷺ:”إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”, و هذه النصوص تؤكد بوضوح أن جوهر العبادة ليس في المظاهر أو عدد الكيلوغرامات أو حجم الأضحية، بل في النية والتقوى والقدرة. ولذلك فإن من لم يستطع شراء الأضحية لا يُعتبر مقصرا، ولا ينبغي أن يشعر بالنقص أو الذنب، لأن الدين لم يفرض على الناس ما يتجاوز طاقتهم.

غير أن المشكلة اليوم تكمن في أن العادات الاجتماعية أصبحت في أحيان كثيرة أقوى من الفهم الديني المتوازن. فالبعض ينظر إلى غياب الأضحية باعتباره “عيبا” أو “تقصيرا”، رغم أن الشريعة نفسها رفعت الحرج عن غير القادر، وهذا الخلط بين الدين والعرف الاجتماعي خلق ضغطا كبيرا على الأسر محدودة الدخل، حتى صار بعض الناس يخشون أحكام المجتمع أكثر من خوفهم من الوقوع في الدَّين والعجز.

العيد أكبر من الأضحية

كما ان اختزال عيد الأضحى في شراء الكبش فحسب يُفقد المناسبة جزءا كبيرا من معناها الحقيقي.

فالعيد ليس مناسبة للاستهلاك والتفاخر، ولا موسما للمقارنات الاجتماعية، بل هو قيمة إنسانية وروحية تقوم على الرحمة وصلة الرحم والتكافل والتخفيف عن الناس.

ومن المؤسف أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت بدورها في تعميق هذا الضغط، حيث تتحول صور الأضاحي والولائم أحيانا إلى نوع من الاستعراض غير المباشر، ما يدفع البعض إلى الشعور بالعجز أو النقص. وفي ظل هذا المناخ، يصبح من الضروري نشر خطاب أكثر وعيا واتزانا يذكّر الناس بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بقدرته على شراء أضحية مرتفعة الثمن.

كما أن من المهم أن تتحمل المؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية دورها في تصحيح بعض المفاهيم المرتبطة بالعيد، والتأكيد على أن الاستدانة من أجل مجاراة المجتمع ليست فضيلة، وأن الحفاظ على توازن الأسرة واستقرارها أولى من الخضوع لضغط المظاهر.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة الأضحية أو الدعوة إلى التخلي عنها، فهي شعيرة دينية عظيمة تحمل معاني الإحسان والتضامن والاقتداء بسيدنا إبراهيم عليه السلام، لكن الإشكال يكمن في تحويلها إلى عبء اجتماعي يُقاس به الناس وتُبنى عليه الأحكام والانطباعات.

إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى حلول اقتصادية تخفف من غلاء الأضاحي، بل أيضا إلى مراجعة ثقافية واجتماعية تعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي، وتفصل بين الدين والعادات التي تراكمت حوله. فليس من العدل أن يشعر أب بالعجز لأنه لم يتمكن من شراء أضحية، ولا أن تدخل أم في دوامة القلق خوفا من نظرة المحيط، بينما الدين نفسه يؤكد أن الله لا يكلّف نفسا إلا وسعها.

Related posts

الموافقة على مشروعي قانونين متعلقين بوثائق السفر والهوية البيومترية

ichrak

بطاقة ايداع بالسجن ضد عون الديوانة الذي قتل زوجته حرقا بالكاف

Halima Souissi

محكمة الاستئناف تؤيد سجن العروي في قضية غسيل الأموال