مخطط التنمية : مشاريع متعددة و رهانات كبرى في انتظار التنفيذ

يدخل مشروع مخطط التنمية للفترة 2026-2030 مرحلة جديدة مع اقتراب انطلاق مناقشته داخل مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، بعد أن أحالته الحكومة إلى المؤسستين التشريعيتين.

ويأتي هذا المخطط في ظرف اقتصادي واجتماعي دقيق، تراهن فيه الدولة على إحداث نقلة نوعية في مسار التنمية عبر رؤية تجمع بين الإصلاحات الهيكلية والاستثمارات الكبرى، وبين معالجة الاختلالات المتراكمة والاستجابة لتطلعات المواطنين في مختلف الجهات.

ولا يقتصر المخطط على كونه وثيقة توجيهية تحدد الخيارات العامة للدولة خلال السنوات الخمس المقبلة، بل يمثل كذلك برنامجا عمليا ضخما، و بحسب النسخة التي احيلت الى المجلس الوطني للجهات و الأقاليم و مجلس نواب الشعب يضم أكثر من 21 ألف مشروع واستثمارات تناهز 102 مليار دينار، بما يجعله أحد أكبر البرامج التنموية التي تم إعدادها خلال العقود الأخيرة.

5 رهانات ترسم ملامح المرحلة

ويرتكز المشروع على خمسة توجهات استراتيجية كبرى تتمثل في تعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق التوازن التنموي بين الجهات، وتحديث النسيج الاقتصادي، ودعم الأمن المائي والغذائي والطاقي مع المحافظة على البيئة، إضافة إلى إصلاح الإدارة وتطوير أداء المؤسسات العمومية.

وتؤكد وثائق المخطط أن هذه التوجهات لم تأت من فراغ، بل استندت إلى مخرجات المجالس المنتخبة بمختلف مستوياتها وإلى تقييم التجارب التنموية السابقة، بهدف بناء نموذج أكثر قدرة على الاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ويحتل البعد الاجتماعي موقعا محوريا في هذه الرؤية، حيث تسعى الدولة إلى تحسين مستوى العيش والارتقاء بالدخل الفردي وتقليص نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة، فضلا عن تحسين مؤشرات التنمية البشرية والرفع من جودة الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، يولي المخطط أهمية خاصة للاستثمار في الإنسان من خلال إصلاح منظومات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، وربطها بشكل أوثق بمتطلبات سوق الشغل ومهن المستقبل. كما يتضمن إجراءات لدعم الشباب وتعزيز إدماجهم الاقتصادي والاجتماعي وتوسيع فرص مشاركتهم في الحياة العامة.

الجهات والتنمية المتوازنة

ومن أبرز التحولات التي يحملها المخطط الجديد منح الجهات والأقاليم دورا أكبر في تحديد الأولويات التنموية وصياغة المشاريع، في إطار مقاربة تهدف إلى تقليص التفاوت بين المناطق وتعزيز العدالة المجالية.

وتبرز مساهمة المجالس المنتخبة في هذا المسار من خلال اقتراح 8999 مشروعا ضمن مختلف البرامج التنموية، وهو ما يعكس التوجه نحو إشراك الجهات في بلورة الخيارات المستقبلية.

وتضم محفظة المشاريع العمومية 21100 مشروع وبرنامج، منها 14624 مشروعا جديدا مقابل 6476 مشروعا متواصلا انطلق تنفيذها قبل سنة 2026. وتمثل المشاريع المقترحة من قبل المجالس المنتخبة نحو 58 بالمائة من إجمالي المشاريع الجديدة، وهو ما يعكس المكانة التي أصبحت تحظى بها الجهات في رسم السياسات التنموية.

كما تكشف الأرقام هيمنة المشاريع المحلية التي تستأثر بنحو 70 بالمائة من مجموع المشاريع المبرمجة، مقابل 17 بالمائة للمشاريع الجهوية و2 بالمائة للمشاريع الإقليمية و11 بالمائة للمشاريع الوطنية، وهو توزيع يهدف أساسا إلى تحسين ظروف العيش وتقريب الخدمات من المواطنين.

استثمارات ضخمة لتحريك الاقتصاد

ويعول المخطط بشكل كبير على الاستثمار العمومي باعتباره محركا أساسيا للنمو. وتبلغ قيمة الاستثمارات المبرمجة نحو 101.8 مليار دينار موزعة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

وتستحوذ مشاريع البنية الأساسية والخدمات على النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات بنسبة تقارب 44 بالمائة، تليها التجهيزات الجماعية بنسبة 27.5 بالمائة، ثم الصناعة والطاقة والمناجم بنسبة 17.5 بالمائة، فيما توجه نسبة 11.3 بالمائة إلى قطاع الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري.

وفي إطار تحديث الاقتصاد الوطني، يراهن المخطط على تسريع التحول الرقمي ودعم القطاعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع، مثل الصناعات الإلكترونية والكهربائية وصناعة مكونات السيارات والطائرات والصناعات الدوائية والتكنولوجيات الحديثة.

كما تتضمن الرؤية الجديدة إصلاح مناخ الأعمال من خلال مراجعة قانون الاستثمار، وتطوير الحوافز الاقتصادية، ورقمنة الخدمات الإدارية، وتقليص آجال إحداث المؤسسات إلى 24 ساعة، فضلا عن إرساء بوابة رقمية موحدة لفائدة المستثمرين.

وتحظى البنية الأساسية بحيز مهم ضمن المخطط، حيث تمت برمجة 1265 مشروعا للطرقات والجسور والمسالك باستثمارات تفوق 11 مليار دينار، من بينها مئات المشاريع الخاصة بالمسالك الريفية بهدف فك العزلة عن المناطق الداخلية.

كما تم تخصيص أكثر من 13 مليار دينار لقطاع النقل لإنجاز 636 مشروعا، إلى جانب آلاف المشاريع البلدية الموجهة لتحسين الخدمات الأساسية وتهيئة الفضاءات الحضرية.

وفي المجال الاجتماعي، رصدت اعتمادات هامة لقطاعات التربية والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي، حيث يتجاوز حجم الاستثمارات الموجهة لهذه القطاعات 13 مليار دينار، بما يعكس المكانة التي تحتلها التنمية البشرية في الرؤية الجديدة.

الأمن المائي والغذائي في قلب الأولويات

وتفرض التحديات المناخية المتصاعدة نفسها بقوة على خيارات المخطط، الذي جعل من الأمن المائي والغذائي والطاقي أحد أبرز رهاناته الاستراتيجية.

وفي القطاع الفلاحي، يستهدف المخطط تحقيق نمو سنوي في حدود 3.1 بالمائة، مع رفع إنتاج الحبوب إلى نحو 20 مليون قنطار بحلول سنة 2030 عبر توسيع المساحات المروية وتحسين استعمال البذور الممتازة وتطوير آليات التمويل والرقمنة.

كما تمت برمجة 645 مشروعا للتزويد بالماء الصالح للشراب، إضافة إلى مئات المشاريع الخاصة بتعبئة الموارد المائية والمناطق السقوية والمحافظة على المياه والتربة والغابات والثروات البحرية.

وتشمل الإجراءات المبرمجة كذلك تطوير محطات تحلية مياه البحر، والتوسع في إعادة استعمال المياه المعالجة، وتحسين مراقبة الموارد المائية عبر الأنظمة الرقمية الحديثة.

وفي مجال الطاقة، يواصل المخطط الرهان على الانتقال الطاقي بهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35 بالمائة من المزيج الطاقي الوطني بحلول سنة 2030.

ولهذا الغرض، تمت برمجة عشرات المشاريع في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والكهرباء والغاز باستثمارات تتجاوز 10 مليارات دينار.

أما قطاع المناجم، فيحظى بدوره بمكانة مهمة ضمن الرؤية التنموية الجديدة، حيث يستهدف المخطط رفع إنتاج الفسفاط إلى أكثر من 11 مليون طن سنويا في أفق 2030 من خلال إنجاز مشاريع جديدة وتأهيل البنية التحتية وتحسين استغلال الموارد المائية بالمناطق المنجمية.

الإصلاح الإداري شرط النجاح

ولا يقتصر المخطط على المشاريع والاستثمارات، بل يتضمن أيضا حزمة من الإصلاحات المؤسساتية والإدارية الرامية إلى رفع نجاعة المرفق العمومي وتحسين الحوكمة ومكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات.

كما يشمل تحديث المؤسسات والمنشآت العمومية، وتطوير الخدمات القضائية، وتعزيز الأداء الأمني والعسكري، إلى جانب مواصلة الانفتاح على الشراكات الدولية وتشجيع التونسيين بالخارج على المساهمة في المجهود التنموي.

وفي المجمل، يطمح مخطط التنمية 2026-2030 إلى تحقيق معدل نمو اقتصادي في حدود 4.2 بالمائة ورفع الدخل الفردي وتحسين الخدمات الأساسية وخلق مواطن الشغل، بما يجعله رهانا وطنيا كبيرا ستحدد السنوات القادمة مدى القدرة على تحويل أهدافه المعلنة إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

Related posts

خلال يوم: 10 وفيات في حوادث مختلفة

Na Da

تحذير من تقلبات جوية: 13 ولاية تحت المراقبة، والحذر على الطرق

Yesmin Taher

منظمة إرشاد المستهلك تدعو وزارة التربية إلى توحيد قوائم مستلزمات الأدوات المدرسية