صابر الحرشاني
جعل مخطط التنمية للفترة 2026-2030 من الشركات الأهلية أحد أهم محاور تجسيم مفهوم الدولة الاجتماعية، باعتبارها آلية تنموية جديدة تقوم على تشريك المواطنين في الاستثمار والإنتاج، وتحويل الإمكانيات المحلية والجهوية إلى مشاريع اقتصادية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل، خاصة لفائدة الشباب والفئات الهشة.ويرى المخطط أن الشركات الأهلية تمثل نموذجا اقتصاديا واجتماعيا مبتكرا، يهدف إلى تنشيط الاقتصاد المحلي والجهوي عبر استغلال منظومات الإنتاج والموارد المتوفرة بكل جهة، مع إدماج الشباب العاطل عن العمل والفئات المهمشة في الدورة الاقتصادية، وتشجيع الابتكار الاجتماعي باعتباره رافعة أساسية للتنمية المستدامة.ويؤكد المخطط أن هذا التوجه يقطع مع منطق التهميش، ويؤسس لاقتصاد تضامني يعزز التنمية المحلية والجهوية، ويساهم في تنويع النسيج الاقتصادي ودعم الاستقرار الاجتماعي، من خلال شركات ذات مسؤولية اقتصادية واجتماعية وبيئية.5 محاوروفي هذا الإطار، ترتكز سياسة الدولة خلال الفترة 2026-2030 على 5 محاور رئيسية, ويتمثل أولها في تعزيز حوكمة الشركات الأهلية عبر إرساء إطار تنظيمي واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات ويكرس مبادئ الشفافية والرقابة، مع إحداث وحدات للمبادرة الأهلية ولجان جهوية، ولجنة قيادة وطنية، واعتماد منظومة رقمية لمتابعة الأداء وتقييم النتائج اعتمادًا على مؤشرات دقيقة.أما المحور الثاني، فيستهدف دعم التكامل بين الشركات الأهلية والقطاعين العام والخاص، من خلال إبرام اتفاقيات شراكة مع المؤسسات العمومية والخاصة، وتبادل الخبرات الفنية، إلى جانب تبسيط إجراءات إحداث الشركات، ومواصلة تطوير المنصة الإلكترونية الخاصة بها، وإعداد دليل موحد للمرافقة وتكوين مختصين في المبادرة الجماعية.ويخصص المخطط محورا ثالثا للإحاطة والمرافقة، حيث سيتم توفير مرافقة إدارية وقانونية ومالية وفنية وتقنية واجتماعية لفائدة الشركات الأهلية في مختلف مراحل إحداثها وتطويرها، مع العمل على تنمية كفاءات القائمين عليها وتحفيزهم على الابتكار من خلال مسابقات وطنية وجهوية وبرامج تكوين مستمر.ويحظى التمويل والتسويق باهتمام خاص ضمن المخطط، إذ سيتم التمديد في خطوط تمويل الشركات الأهلية والترفيع في سقف التمويلات الممنوحة من الصندوق الوطني للتشغيل، إلى جانب تفعيل منحة التشجيع على المبادرة التضامنية، وتنويع مصادر التمويل عبر التمويل التشاركي وآليات التمويل الأخضر، وإحداث خط تمويل مخصص للشركات التي تواجه صعوبات. كما ينص المخطط على إحداث متجر إلكتروني لتسويق منتجات الشركات الأهلية، ودعم مشاركتها في المعارض الجهوية والوطنية والدولية والاستفادة من آليات تشجيع التصدير.ويتمثل المحور الخامس في تطوير استراتيجية إعلام واتصال خاصة بالشركات الأهلية، ترتكز على تنظيم حملات إعلامية للتعريف بهذا النموذج الاقتصادي، ونشر قصص نجاح الشركات الأهلية، وإعداد ومضات تحسيسية عبر وسائل الإعلام الوطنية والجهوية، وتنظيم أيام جهوية وإقليمية للتعريف بالإجراءات والحوافز المالية والجبائية.أهداف كميةورصد المخطط أهدافا كمية طموحة بحلول سنة 2030، تتمثل في رفع عدد الشركات الأهلية إلى 800 شركة مقابل 400 شركة سنة 2026، وتمكين 1600 منتفع من خدمات الإحاطة والمرافقة، وتوفير التكوين المستمر لـ400 منتفع، مع تمويل 400 شركة أهلية، والرفع في نسبة الشركات التي تدخل طور النشاط الفعلي إلى 80 بالمائة، ودعم 700 مبادرة لمشاريع أهلية، بما يساهم في إحداث نحو 3 آلاف موطن شغل جديد.وفي سياق دعم التمكين الاقتصادي، يتضمن المخطط حزمة واسعة من البرامج المساندة، من بينها برنامج “رائدة” لريادة الأعمال النسائية، وبرنامج “مبادرون” لإدماج الشباب اقتصاديًا، وبرنامج “PROMESS” لتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ومشروع “TRACE” لدعم التشغيل في الفلاحة والصناعات الغذائية، إضافة إلى برامج تمكين الفلاحات، وتمويل المجامع التنموية، ودعم المشاريع الفلاحية والصناعات التقليدية، وآليات “انطلاقة” الجهوية، والمسؤولية المجتمعية للمؤسسات، وعدد من البرامج الموجهة للأسر محدودة الدخل والفئات ذات الوضعيات الخاصة.ويخلص المخطط إلى أن نجاح هذه البرامج يقتضي تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتفادي تداخل المشاريع، وتوجيه التمويلات بصفة أكثر نجاعة نحو الفئات المستهدفة، مع تعزيز المرافقة والمتابعة والتقييم، واعتماد سياسة اتصالية فعالة للتعريف بفرص التمكين الاقتصادي.ولهذا الغرض، ستعمل الدولة على إرساء سياسة وطنية مندمجة للتمكين الاقتصادي خلال الفترة 2026-2030، تقوم على توحيد آليات الحوكمة والتمويل والمتابعة، عبر برنامج وطني متكامل يحدد الفئات المستهدفة، ويوفر آلية تمويل موحدة، ويعتمد منصة إلكترونية لمتابعة المشاريع وقياس مردوديتها وأثرها الاقتصادي والاجتماعي.كما يندرج هذا التوجه ضمن رؤية أشمل لترسيخ الدولة الاجتماعية، تقوم على حماية الفئات الهشة، وتطوير منظومة المساعدات الاجتماعية، وضمان حد أدنى من الدخل، وتوسيع التغطية الصحية والاجتماعية، وتعزيز إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، وإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، إلى جانب دعم مساهمة التونسيين بالخارج في التنمية الوطنية، بما يجعل التمكين الاقتصادي والشركات الأهلية إحدى الركائز الأساسية لتحقيق تنمية أكثر عدلاوشمولا خلال السنوات الخمس المقبلة.