لبنان…حين يصبح الاحتلال ورقة تفاوض

صابر الحرشاني

لا تبدو المذكرة المقدمة إلى المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في لبنان قراءة قانونية في بنود “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل، بقدر ما تطرح سؤالا سياسيا يتجاوز نص الاتفاق إلى طبيعة المرحلة التي يدخلها لبنان.

ويبدو السؤال الجوهري: هل ما يزال الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية هو أصل النزاع الذي يفترض إنهاؤه، أم أن ثمة مسارا جديدا يعيد تعريف المشكلة باعتبارها أزمة داخلية لبنانية عنوانها السلاح واحتكار الدولة للقوة؟

هذا السؤال يمثل جوهر المذكرة، ويضع النقاش في مساحة شديدة الحساسية. فالحديث عن سلاح حزب الله ليس جديدا في لبنان، كما أن الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة رافقت معظم الأزمات السياسية منذ سنوات طويلة. الجديد، وفق القراءة التي تقدمها المذكرة، هو إدخال هذه المسألة الداخلية في صلب معادلة الانسحاب الإسرائيلي، بما قد ينقل الاحتلال من وضع قانوني يفترض إنهاءه إلى ورقة تفاوضية مرتبطة بشروط ومراحل وآليات تحقق.

هنا تحديدا تكمن المفارقة. فالدولة اللبنانية مطالبة، من حيث المبدأ، ببسط سلطتها على كامل أراضيها واحتكار القوة المسلحة، وهو مطلب يصعب الاعتراض عليه من زاوية بناء الدولة لكن ربط هذا المسار بانسحاب إسرائيل يطرح إشكالا مختلفا: ماذا يحدث إذا تعثر نزع السلاح؟ وهل يصبح الاحتلال مشروعا أو مقبولا أو قابلا للاستمرار لأن لبنان لم ينجح في حل أزمة داخلية؟

المذكرة تجيب بوضوح متشائم عن هذا السؤال فهي ترى أن الصيغة الجديدة تمنح إسرائيل إمكانية تحويل إخفاق لبنان الداخلي إلى مبرر لاستمرار وجودها العسكري وبذلك تنقلب العلاقة بين السبب والنتيجة فبدلا من مطالبة إسرائيل بالانسحاب باعتبار وجودها خرقا للسيادة اللبنانية، يصبح لبنان مطالبا أولا بإثبات أهليته الأمنية والسياسية حتى يستحق انسحاب القوات الإسرائيلية.

من الانسحاب إلى «إعادة التموضع»

و بحسب مراقبون تولي المذكرة أهمية خاصة للمصطلحات الواردة في الاتفاق، وتحديدا الانتقال من مفهوم “الانسحاب” إلى عبارات من قبيل “إعادة الانتشار”أو “اعادة التموضع” وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى خلافا لغويا، لكنه في الاتفاقات الدولية يحمل دلالات سياسية وقانونية دقيقة.

فالانسحاب يفترض وجود قوة أجنبية على أرض لا تملك حق البقاء فيها، وبالتالي يحدد اتجاها واضحا للعملية: مغادرة الأرض. أما إعادة التموضع فتسمح بحركة عسكرية داخل المجال نفسه، وقد تعني الانتقال من نقطة إلى أخرى أو تقليص الانتشار دون إنهائه.

من هذه الزاوية، يصبح غياب الالتزام الصريح بالانسحاب مصدر قلق حقيقي. وإذا كانت إعادة التموضع مرتبطة بآليات تحقق من تنفيذ لبنان التزاماته، فإن الجدول الزمني للوجود الإسرائيلي قد يبقى مفتوحا. تستطيع إسرائيل، في كل مرحلة، الدفع بأن الشروط لم تكتمل، وأن الجيش اللبناني لم يفرض سيطرته بصورة كافية، أو أن بنية حزب الله العسكرية لم تفكك بالكامل.

وتزداد المسألة تعقيدا لأن تعريف «نجاح لبنان» في تنفيذ التزاماته ليس تفصيلا تقنيا. من يحدد أن السلاح نزع فعلا؟ ومن يقرر أن الدولة أصبحت تحتكر القوة؟ وهل يكفي انتشار الجيش أم يشترط تفكيك كل منشأة ومخزن وقدرة عسكرية؟ وما حدود المعلومات التي يطلب من لبنان تقديمها لإثبات التنفيذ؟

إن غموض الإجابة عن هذه الأسئلة يخلق مساحة واسعة للتأويل، وعادة ما يستفيد الطرف الأقوى عسكريا وسياسيا من النصوص القابلة للتفسير.

من الوساطة إلى إدارة التنفيذ

النقطة الثانية التي تثيرها المذكرة تتعلق بالدور الأميركي. ففي تاريخ النزاع اللبناني الإسرائيلي، حضرت الولايات المتحدة وسيطا وضامنا ومؤثرا رئيسيا. لكن الإشكال المطروح هنا يتعلق بمدى انتقال واشنطن من دور الوساطة إلى إدارة عملية التنفيذ والتحقق وربط الدعم المالي والعسكري بنتائجها.

لبنان، في وضعه الاقتصادي الحالي، لا يدخل أي تفاوض من موقع مريح. إعادة إعمار المناطق المتضررة، وعودة السكان، وإعادة بناء البنية التحتية، ودعم الجيش، كلها ملفات تحتاج إلى تمويل خارجي كبير. وعندما يصبح التمويل مرتبطا بمسار أمني وسياسي داخلي، فإن الحدود بين «المساعدة» و«الضغط» تصبح شديدة الهشاشة.

ليس مستبعدا، وفق منطق المذكرة، أن تتحول إعادة الإعمار إلى جزء من آلية التفاوض. قرية تعود إليها الحياة بعد التحقق من شروط معينة، ومنطقة يؤجل إعمارها إلى حين استكمال ترتيبات أمنية، ومساعدات عسكرية تقدم مقابل خطوات محددة. عندها لا يعود الأمر مجرد اتفاق لوقف الاعتداءات، بل مسارا لإعادة هندسة الواقع اللبناني عبر أدوات التمويل والضغط الأمني.

وهذا ما يفسر التحذير من «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». فالمصطلح قد يبدو تقنيا وعمليا، لكنه يفتح الباب أمام تجزئة الحل. بدلا من انسحاب شامل وعودة كاملة للسكان، يصبح الجنوب مجموعة مراحل ومناطق، لكل واحدة شروطها وآليات التحقق الخاصة بها.

 حق لبنان في الشكوى تحت المجهر

أما البند المتعلق بوقف الأعمال «المعاكسة» في المحافل السياسية والقانونية الدولية، فيطرح إشكالا لا يقل حساسية. فالدول عادة ما تلجأ إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية لتسجيل اعتراضاتها وملاحقة الانتهاكات والدفاع عن حقوقها. ولبنان، في ظل الاختلال الهائل في موازين القوة العسكرية مع إسرائيل، يملك القانون والدبلوماسية باعتبارهما من الأدوات الأساسية المتاحة له.

إذا كان مفهوم «الأعمال المعاكسة» فضفاضا، فإن الخشية تصبح في إمكانية اعتبار الشكاوى أو المطالبة بالتعويض أو التحرك القانوني عملا مناقضا للاتفاق. وقد لا يحتاج الأمر إلى منع صريح. يكفي أن يصبح كل تحرك لبناني موضوع اعتراض أميركي أو إسرائيلي وسببا للقول إن بيروت لا تحترم «روح الاتفاق».

هنا تستعيد المذكرة اتفاقية الهدنة لعام 1949، ليس حنينا إلى وثيقة تاريخية، وإنما لإبراز الفرق في المرجعية. فالهدنة وضعت النزاع في إطار دولي واضح، وأبقت الحقوق والمطالب السياسية والقانونية محفوظة، وأعطت الأمم المتحدة موقعا مركزيا في الرقابة.

المقارنة تكشف تحولا أعمق: من تدويل قانوني للنزاع إلى إدارة سياسية أميركية له. وفي الحالة الأولى، يستطيع لبنان الاستناد إلى قواعد ومؤسسات دولية، مهما كانت محدودية فعاليتها. أما في الثانية، فإنه يصبح أكثر ارتباطا بموازين القوى وبطبيعة العلاقة مع واشنطن.

شبح 17 أيار… لكن بصيغة مختلفة

استحضار اتفاق 1983 يحمل بدوره دلالة سياسية كبيرة في لبنان. ذلك الاتفاق تحول إلى رمز لكل تسوية اعتبرت مختلة في العلاقة مع إسرائيل ومفروضة تحت ضغط الاحتلال والظروف الإقليمية.

لكن المذكرة لا تقول إن الاتفاق الحالي نسخة من 17 أيار. بل تذهب إلى طرح أكثر إثارة للجدل: الاتفاق الجديد قد يكون أخطر لأنه يتجنب بعض العبارات الصريحة التي أثارت الرفض سابقا، ويتجه بدلا من ذلك إلى إعادة ترتيب الداخل اللبناني.

في 17 أيار كانت النصوص المباشرة حول العلاقات والترتيبات الأمنية واضحة، ولذلك كان الاعتراض عليها مباشرا أيضا. أما اليوم، فإن عبارات مثل احتكار الدولة للسلاح، دعم الجيش، إعادة الإعمار، التحقق، والاستقرار، تبدو في ذاتها أهدافا مشروعة. غير أن جمعها في معادلة واحدة مع بقاء القوات الإسرائيلية يغير معناها السياسي.

المشكلة، إذن، ليست في مبدأ بناء الدولة أو حصر السلاح بيدها. المشكلة في أن تصبح إسرائيل طرفا مستفيدا من كيفية تنفيذ هذا المبدأ داخل لبنان، وأن يرتبط انسحابها بنتيجة صراع سياسي لبناني عمره سنوات.

وهنا يظهر أخطر سيناريو تطرحه المذكرة: أن يجد لبنان نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف. الأول هو الذهاب بسرعة إلى مواجهة داخلية حول سلاح حزب الله تحت ضغط استمرار الاحتلال وتأخر الإعمار. والثاني هو تجنب الصدام الداخلي، مع منح إسرائيل حجة لمواصلة وجودها العسكري والقول إن شروط الاتفاق لم تنفذ.

إنها معادلة يمكن أن تنقل الضغط من الحدود إلى الداخل. وبدلا من أن يكون الإجماع اللبناني منصبا على إنهاء الاحتلال، يصبح النقاش حول الطرف اللبناني المسؤول عن تأخر الانسحاب. إسرائيل تقول إن السلاح هو السبب، وخصوم حزب الله يطالبون بنزعه، والحزب يعتبر أن الاحتلال يؤكد الحاجة إلى السلاح، فتكتمل الحلقة المغلقة.

وإذا استقر التعريف الثاني دوليا، فقد يجد لبنان نفسه لسنوات يفاوض على شروط استعادة أرض يفترض، من الناحية القانونية، ألا يكون بقاؤها تحت الاحتلال موضوع تفاوض من الأصل.

Related posts

حميدتي يؤكد من أوغندا تمسكه بإنهاء الحرب في السودان

Wa Lid

كوريا الشمالية تطلق صواريخ جديدة باتجاه البحر الأصفر

Wa Lid

أمريكا قلقة بعد اتهامات لأشخاص تواصلوا مع موظفي سفارتها في تونس

Anissa Taha