صابر الحرشاني
تتصاعد الانتظارات بشأن إصلاح المنظومة التربوية بعد ان أصبحت استحقاقا فرضته التحولات التي عرفتها المدرسة العمومية خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع عدد من المؤشرات المتعلقة بجودة التعلمات، وتنامي ظواهر الانقطاع المدرسي، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق الشغل.وقد كشف وزير التربية نور الدين النوري عن ملامح التوجه الإصلاحي للفترة 2026-2030، مؤكدا في تفاعل مع سؤال كتابي موجه من قبل أحد النواب أن البرنامج الجديد يقوم على إعادة الاعتبار للتعليم باعتباره أولوية وطنية وحقا دستوريا، مع التركيز على تحديث المناهج، ومراجعة منظومة التقييم، وإعادة تنظيم الزمن المدرسي، وإعادة النظر في السياسة اللغوية.وتثير هذه التوجهات تساؤلات حول مدى قدرة الإصلاح الجديد على تجاوز إخفاقات المحاولات السابقة، خاصة وأن المنظومة التربوية شهدت خلال العقود الماضية عشرات اللجان والتقارير والمشاريع التي لم تجد طريقها إلى التطبيق الكامل.
إصلاح يلامس جوهر الأزمةولا تكمن أهمية ما أعلن عنه وزير التربية في عنوان الإصلاح بقدر ما تكمن في المجالات التي اختار استهدافها، إذ تمس جميعها العناصر الأساسية التي تقوم عليها العملية التعليمية.فالحديث عن إعادة صياغة المناهج لا يعني مجرد تغيير الكتب المدرسية أو مراجعة بعض الدروس، وإنما مراجعة فلسفة التعليم نفسها. فالعديد من المختصين يعتبرون أن المناهج الحالية مازالت تعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والاستظهار، في وقت أصبحت فيه الأنظمة التعليمية الحديثة ترتكز على تنمية التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والمهارات الرقمية، والقدرة على الابتكار.كما أن تحديث المضامين يفرض مراجعة العلاقة بين المدرسة والمحيط الاقتصادي والاجتماعي، حتى تصبح المعارف التي يكتسبها التلميذ أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية وبحاجيات الاقتصاد الوطني، دون التفريط في الوظيفة الثقافية والتربوية للمؤسسة التعليمية.مراجعة التقييم… من الامتحان إلى التعلمومن بين أكثر النقاط أهمية في مشروع الإصلاح، مراجعة منظومة التقييم والدعم. وبشهادة اهل الاختصاص ظلت المدرسة التونسية لعقود تقوم على ثقافة الامتحان والعدد والترتيب، وهو ما أدى إلى تحويل العملية التعليمية في كثير من الأحيان إلى سباق نحو النجاح في الاختبارات أكثر من كونها عملية بناء للكفاءات.وتشير العديد من الدراسات التربوية إلى أن الاقتصار على الامتحانات التقليدية لا يسمح بقياس جميع قدرات المتعلم، خصوصا في ما يتعلق بالإبداع، والتواصل، والعمل الجماعي، والمهارات التطبيقية.لذلك فإن نجاح هذا المحور سيكون مرتبطا بإرساء منظومة تقييم متنوعة تعتمد المراقبة المستمرة، والأنشطة التطبيقية، والمشاريع الفردية والجماعية، مع تطوير آليات الدعم المبكر للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات في التعلم قبل الوصول إلى مرحلة الرسوب أو الانقطاع عن الدراسة.الزمن المدرسي… ملف ظل مؤجلاومن الملفات التي طال انتظار معالجتها أيضًا مسألة الزمن المدرسي، والتي أشار إليها وزير التربية باعتبارها جزءا من الإصلاح المرتقب.فالعديد من المختصين يعتبرون أن توزيع الحصص الدراسية والعطل وأوقات الدراسة لم يعد يتلاءم مع المعطيات الحديثة المتعلقة بالنمو النفسي والبيولوجي للأطفال والمراهقين.ويشتكي الأولياء والتلاميذ منذ سنوات من طول اليوم الدراسي في بعض المستويات، وكثافة البرامج، وما يرافق ذلك من إرهاق بدني ونفسي، خاصة في المناطق التي يضطر فيها التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المؤسسات التعليمية.ولذلك فإن مراجعة الزمن المدرسي لا ينبغي أن تقتصر على تقليص أو زيادة عدد الساعات، وإنما تشمل إعادة تنظيم الإيقاع السنوي واليومي للدراسة، بما يحقق توازنًا أفضل بين التعلم والراحة والأنشطة الثقافية والرياضية.كما يظل ملف اللغات من أكثر الملفات حساسية داخل المدرسة التونسية، لذلك جاء تصريح الوزير حذرا عندما تحدث عن تعزيز مكانة اللغة العربية مع دعم الانفتاح على اللغات الأجنبية.فالجدل حول لغة التدريس ليس جديدا، إذ يرى جانب من المختصين ضرورة تعزيز حضور العربية باعتبارها لغة الهوية والثقافة والدستور، في حين يؤكد آخرون أن متطلبات الاقتصاد العالمي والبحث العلمي تفرض تعزيز إتقان اللغات الأجنبية منذ المراحل الأولى للتعليم.ويبدو أن الوزارة تتجه نحو البحث عن صيغة توازن بين هذين التوجهين، بما يحافظ على الهوية الوطنية دون أن يحرم التلميذ من أدوات المنافسة في عالم يعتمد بصورة متزايدة على التعدد اللغوي.ورغم أهمية ما تضمنته ملامح الإصلاح، فإن نجاحه سيظل مرتبطًا بعوامل أخرى لا تقل أهمية عن المناهج والبرامج.فالمدرسة العمومية تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والاكتظاظ، ونقص التجهيزات الرقمية، والفوارق بين الجهات، فضلاً عن الحاجة إلى تكوين مستمر للإطار التربوي حتى يتمكن من تطبيق المناهج الجديدة بكفاءة.كما أن أي إصلاح لن يحقق أهدافه إذا اقتصر على الجانب البيداغوجي، دون معالجة الإشكاليات الاجتماعية التي تؤثر في المسار الدراسي، وعلى رأسها الفقر، والنقل المدرسي، والإقامة، والانقطاع المبكر عن التعليم.وفي المحصلة، يبدو أن التوجه الإصلاحي الذي أعلن عنه وزير التربية يحمل عناوين تعالج بالفعل أبرز مواطن الخلل داخل المنظومة التعليمية، غير أن التجربة أظهرت أن التحدي لا يكمن في تشخيص المشكلات أو إعداد الوثائق المرجعية، وإنما في القدرة على تحويل تلك التصورات إلى إجراءات عملية تمتد على سنوات.