هل يمكن تجنب قطع الكهرباء مستقبلا؟

صابر الحرشاني

تعيش بلادنا واحدة من أشد موجات الحر في تاريخها الحديث، حيث تجاوزت درجات الحرارة في عدد من الولايات 48 و49 درجة، بينما ارتفع الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية نتيجة التشغيل المكثف لأجهزة التكييف.وقد تمكنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز من المحافظة على استقرار الشبكة رغم الضغط الكبير، إلا أن العديد من المختصين أكدوا أن استمرار هذا النسق خلال السنوات المقبلة سيجعل المنظومة الكهربائية أمام تحديات متزايدة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات هيكلية عاجلة.الواقع الجديد الذي فرضته التغيرات المناخية يجعل من موجات الحر الطويلة حدثا متكررا، وهو ما يعني أن الطلب على الكهرباء لن يعود إلى مستوياته السابقة، بل سيواصل الارتفاع عاما بعد آخر، خاصة مع تحسن مستوى العيش وازدياد عدد أجهزة التكييف داخل المنازل والمؤسسات.

الطلب على الكهرباء يتضاعف

و في السابق كانت ذروة الاستهلاك مرتبطة بفترات قصيرة، أما اليوم فقد أصبحت تمتد لساعات طويلة، بل ولعدة أيام متتالية أثناء موجات الحر، وهو ما يرهق محطات الإنتاج وخطوط النقل والمحولات الكهربائية في الوقت نفسه.وتؤكد بيانات الشركة التونسية للكهرباء والغاز خلال السنوات الأخيرة أن صيف كل سنة يسجل أرقاما قياسية جديدة في الطلب على الطاقة، وهو اتجاه مرشح للاستمرار بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتوسع استعمال المكيفات.وتتمثل المشكلة الأساسية في أن بناء محطة إنتاج كهرباء جديدة أو تعزيز شبكة النقل لا يتم في بضعة أشهر، بل يحتاج إلى سنوات من الدراسات والتمويل والإنجاز، في حين أن الطلب على الكهرباء يرتفع بوتيرة أسرع.

الطاقة الشمسية… الحل الأسرع والأقل كلفة

و يرى خبراء الطاقة أن الرهان الأكبر خلال السنوات القادمة يجب أن يكون على الطاقة الشمسية، و ليس عبر المشاريع الكبرى لوحدها، وإنما أيضا عبر تشجيع الإنتاج اللامركزي فوق أسطح المنازل والإدارات والمؤسسات الصناعية.فكل منزل يركب ألواحا شمسية يخفف جزءا من الضغط على الشبكة خلال ساعات النهار، وهي الفترة التي تبلغ فيها درجات الحرارة ذروتها ويزداد تشغيل أجهزة التكييف.كما أن المؤسسات الصناعية والإدارية التي تعتمد على الطاقة الشمسية لتغطية جزء من استهلاكها تساهم مباشرة في تقليص الأحمال على الشبكة الوطنية، وهو ما ينعكس إيجابيا على بقية المشتركين.ورغم تقدم بلادنا في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، فإن وتيرة الإنجاز ما تزال دون المستوى المطلوب مقارنة بسرعة نمو الطلب على الكهرباء.

ضرورة اصلاح الشبكة

ولا يكفي إنتاج كهرباء إضافية إذا كانت الشبكات غير قادرة على نقلها بكفاءة، فالعديد من المحولات الكهربائية والخطوط الهوائية أصبحت تعمل خلال فترات الذروة بالقرب من حدودها القصوى، وهو ما يزيد احتمال الأعطاب والانقطاعات المحلية.ولذلك يمثل الاستثمار في تحديث شبكات النقل والتوزيع إحدى الأولويات الكبرى، سواء عبر استبدال المعدات القديمة أو إنشاء محولات جديدة في المناطق التي تشهد توسعا عمرانيا واستهلاكا مرتفعا.كما أن اعتماد الشبكات الذكية سيسمح بإدارة الأحمال بصورة أفضل، واكتشاف الأعطال بسرعة أكبر، وتقليل مدة الانقطاعات عند حدوثها. ويؤكد خبراء الطاقة أن أوفر ميغاواط هو ذلك الذي لا يتم استهلاكه أصلا.ومن المؤكد ان استبدال أجهزة التكييف القديمة بأخرى عالية الكفاءة، وتحسين عزل المباني، واستعمال الإنارة الاقتصادية، يمكن أن يخفض الطلب الوطني على الكهرباء بمئات الميغاواط خلال ساعات الذروة.وفي العديد من الدول أصبحت برامج النجاعة الطاقية جزءا أساسيا من السياسات الوطنية لأنها أقل كلفة بكثير من بناء محطات إنتاج جديدة.وفي تونس يمكن لتوسيع برامج دعم الأجهزة الاقتصادية، وتشجيع العزل الحراري في البناء، أن يحقق نتائج ملموسة خلال سنوات قليلة.

تغيير سلوك الاستهلاك

وحتى دون استثمارات ضخمة، يمكن لتغيير بعض العادات اليومية أن يحدث فارقا كبيرا. فعند تشغيل آلاف الأجهزة ذات الاستهلاك المرتفع في الوقت نفسه، ترتفع الأحمال بشكل مفاجئ، بينما يمكن توزيع جزء من هذه الاستعمالات على ساعات أخرى.كما أن ضبط المكيف على درجة تتراوح بين 25 و26 درجة، وإغلاق النوافذ أثناء التشغيل، واستعمال الستائر للحد من دخول أشعة الشمس، يقلل استهلاك الكهرباء بشكل ملحوظ دون التأثير الكبير على الراحة.وتشير تجارب دول عديدة إلى أن حملات التوعية المدروسة نجحت في خفض الطلب خلال ساعات الذروة بنسبة معتبرة، وهو ما ساهم في تفادي اللجوء إلى إجراءات استثنائية.و تعتمد بلادنا بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، وهو ما يجعل المنظومة مرتبطة بتقلبات الإمدادات والأسعار العالمية.ومن هنا تبرز أهمية الإسراع في مشاريع الطاقات المتجددة، سواء الشمسية أو طاقة الرياح، إلى جانب تطوير وسائل تخزين الكهرباء التي تسمح باستغلال فائض الإنتاج المتجدد خلال فترات الذروة.كما أن الربط الكهربائي مع الدول المجاورة يمثل أحد الخيارات الإستراتيجية التي تمنح مرونة أكبر للشبكة الوطنية عند الحاجة.و يبدو من الممكن التخلي عن القطع الدوري للكهرباء مستقبلا لكن بشرط التحرك المبكر.فإذا تم خلال الأشهر المقبلة تسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وتعزيز شبكة النقل، وتوسيع برامج النجاعة الطاقية، وإطلاق حملات وطنية لترشيد الاستهلاك، فإن تونس ستكون في وضع أفضل بكثير لمواجهة صيف 2027.أما إذا استمر الطلب على الكهرباء في الارتفاع بنفس النسق، بينما بقيت الاستثمارات دون المستوى المطلوب، فإن هامش الأمان داخل الشبكة سيتقلص تدريجيا، وستصبح موجات الحر الشديدة اختبارا أكثر صعوبة عاما بعد آخر.لقد كشفت صائفة 2026 أن التغيرات المناخية أصبحت عاملا يوميا يعيد رسم خريطة استهلاك الطاقة ولذلك فإن الاستعداد للصيف القادم يبدأ منذ انتهاء موجة الحر الحالية، عبر قرارات استثمارية وتنظيمية وسلوكية تجعل الكهرباء أكثر أمنا واستدامة، وتحول دون وصول البلاد إلى مرحلة تضطر فيها إلى اللجوء إلى الانقطاعات المبرمجة للحفاظ على استقرار الشبكة.

Related posts

النادي الإفريقي ينهي مهام المدرب سعيد السايبي

Ra Mzi

منوبة: إصدار بطاقتي إيداع في حق صاحب مجزرة ومساعده من أجل مخالفة التراتيب الصحية

Na Da

المركز الوطني لسجل المؤسسات ينتدب في عدة اختصاصات

Na Da