على هامش جلسة البرلمان اليوم…هل تكفي الخطب لانهاء الازمة؟

صابر الحرشاني

يعقد مجلس نواب الشعب جلسة عامة للتداول في الشأن العام على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء والماء التي تفاقمت مع موجة الحرارة، بعد أن تحولت هذه الأزمة إلى أحد أبرز الملفات التي تشغل الرأي العام، لما خلفته من اضطراب في الحياة اليومية وتعطل للخدمات الأساسية واحتقان اجتماعي متزايد في عدد من الجهات.

ومن المعلوم انه في الأنظمة البرلمانية، تمثل جلسات التداول في الشأن العام إحدى أهم أدوات الرقابة السياسية، لأنها تتيح مساءلة السلطة التنفيذية مباشرة، والاستماع إلى تفسيرها للأحداث، ومناقشة خططها وآجال تدخلها، خلافا لواقع الحال وعندما تدور الجلسة في غياب ممثلي الحكومة، فإنها تتحول إلى نقاش بين النواب أنفسهم، يتبادلون خلاله الانتقادات والتشخيصات دون أن يكون الطرف المعني بالتنفيذ حاضرا للإجابة أو الالتزام أو تحمل المسؤولية السياسية.

ولذلك فإن القيمة العملية لمثل هذه الجلسات ترتبط أساسا بحضور الحكومة، فالبرلمان يملك سلطة النقاش والتوصية والرقابة، لكنه لا يملك إدارة محطات إنتاج الكهرباء أو شبكات توزيع الماء، ولا يقرر برامج الصيانة أو الاستثمار أو التدخل الميدانيو هذه الصلاحيات تبقى بيد الوظيفة التنفيذية، وهو ما يجعل أي نقاش حول الأزمة منقوصا إذا غاب المسؤولون المباشرون عنها.

رقابة بلا مساءلة 

و من المتوقع أن تشهد الجلسة مداخلات عديدة من النواب الذين سيعرضون شكاوى المواطنين في دوائرهم الانتخابية، ويتناولون الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، وتأثيرها على الأسر والمؤسسات الاقتصادية والفلاحين والمرافق الصحية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو إلى من ستوجه هذه الانتقادات إذا لم يكن الوزراء أو المسؤولون الحكوميون حاضرين.

ومن الناحية النظرية فان الرقابة البرلمانية لا تقتصر على إبداء المواقف أو تسجيل الاحتجاجات، وإنما تقوم على مبدأ المساءلة، والمساءلة تعني وجود مسؤول يجيب عن الأسئلة، ويعرض الأرقام، ويبرر الاختيارات، ويحدد ما تم إنجازه وما تعذر إنجازه، ويقدم تعهدات يمكن العودة إليها لاحقا لتقييم مدى تنفيذها.

أما في غياب ذلك، فإن الجلسة قد تنتج مواقف سياسية وإعلامية أكثر مما تنتج قرارات قابلة للقياس، وستبقى مطالب النواب معلقة، لأن الطرف المخول بالاستجابة لها لم يشارك في النقاش، أو لم تتح له فرصة إعلان خطته لمعالجة الأزمة.

ولا يتعلق الأمر بحق النواب في مساءلة الحكومة، بل أيضا بحق المواطنين في معرفة حقيقة الوضع، فالرأي العام ينتظر إجابات واضحة، هل تعود الانقطاعات إلى ضغط غير مسبوق على الشبكات؟ هل توجد أعطاب تقنية؟ هل هناك نقص في الإنتاج؟ ما هي الإجراءات العاجلة؟ وما هي الحلول المتوسطة والبعيدة المدى؟ وهذه الأسئلة لا يمكن أن يجيب عنها سوى المسؤولون التنفيذيون.

بين الرسالة السياسية والنتيجة العملية

وحتى في صورة انتهاء الجلسة بإصدار توصيات أو مواقف سياسية، فإن أثرها سيظل مرتبطا بمدى تفاعل الحكومة معها، فالتوصيات البرلمانية لا تتحول تلقائيا إلى قرارات تنفيذية، كما أن النقاشات، مهما بلغت حدتها، لا تعيد التيار الكهربائي حينما ينقطع ولا تؤمن التزيد بالماء ما لم تتبعها إجراءات عملية على الأرض.

ومن زاوية أخرى، تمنح مثل هذه الجلسات للنواب فرصة لإبراز حضورهم السياسي أمام ناخبيهم، خصوصا في الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، ويحرص كل نائب على نقل مشاغل دائرته الانتخابية وإظهار متابعته للأزمة، وهو دور يدخل في صميم الوظيفة التمثيلية للمجلس.

لكن المواطنين، في المقابل، يقيسون نجاح المؤسسات بما يتحقق من نتائج ملموسة أكثر من اهتمامهم بسقف الخطابات. فكلما امتدت الأزمة، ارتفعت الحاجة إلى قرارات تنفيذية معلنة، وجداول زمنية واضحة، وتفسير رسمي للأسباب، والتزام بمواعيد المعالجة.

ولهذا تبدو جلسة الغد أمام اختبار سياسي أكثر منه إجرائيا، فإذا بقيت في حدود تبادل المداخلات بين النواب، فإنها ستؤدي وظيفة التعبير عن الاحتقان وتوثيق المواقف، لكنها لن تغير من واقع الأزمة إلا بقدر ما تدفع السلطة التنفيذية لاحقا إلى تقديم الإجابات والخطط والالتزامات.د، أما إذا حضر ممثلو الحكومة، أو التزموا في أعقابها بعرض برنامج واضح لمعالجة الانقطاعات، فإن الجلسة يمكن أن تتحول من منصة للنقاش إلى محطة فعلية للمساءلة وصنع القرار.

Related posts

رئيس مجلس نواب الشعب يشرف على اجتماع المكتب

Ra Mzi

“ذئب ذات ليلة” قراءة مغايرة من انجاز اطفال طيف التوحّد

قيس سعيد: “فكرة الترشح للرئاسية مُجددا لا تُخامرني”