كوكب يغلي…هل دخل العالم عصر التكيف القسري مع المناخ؟

صابر الحرشاني

يعتبر التقرير الصادر في المجلة العلمية “فينيمنول ورد” أن التغير المناخي الفعلي يدور حول كيفية التعايش مع واقع يفرض نفسه بوتيرة متسارعة. و يعتبر التقرير انه ازاء موجات حر غير مسبوقة، وحرائق غابات تمتد على آلاف الكيلومترات، وفيضانات تجتاح مدنا خلال ساعات، وجفاف يهدد الأمن الغذائي في مناطق واسعة من العالم من المهم النظر الى الموضوع بزاوية اخرى. وفي خضم هذه التحولات، يدعو الكاتبان “كايت ماكنزي وتيم ساهاي”، في تقرير مطول عنوانه “أرض محروقة.. التكيف المناخي على كوكب يغلي”، إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها العالم مع أزمة المناخ، معتبرين أن مرحلة الاكتفاء بالحديث عن خفض الانبعاثات لم تعد كافية، وأن التكيف مع واقع مناخي أكثر قسوة أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها.

من الوقاية إلى إدارة الأضرار

و يرى الكاتبان أن النقاش العالمي ظل لسنوات طويلة منصبا على الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بهدف منع ارتفاع درجات الحرارة، وهو هدف لا يزال ضروريا، لكنه لم يعد وحده كفيلا بحماية المجتمعات.

فبحسب رؤيتهما، دخل العالم مرحلة أصبحت فيها آثار الاحترار العالمي ملموسة في مختلف القارات، وهو ما يجعل التكيف مع هذه التغيرات مسارا موازيا لا يقل أهمية عن جهود الحد من الانبعاثات.

ويضرب المقال أمثلة بموجات الحر التي حطمت الأرقام القياسية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، والحرائق التي أتت على مساحات شاسعة من الغابات، والفيضانات التي دمرت مدنا كاملة، معتبرا أن هذه الأحداث لم تعد استثناءات مناخية، بل مؤشرات على واقع جديد يتطلب استعدادا مختلفا.

ويؤكد الكاتبان أن السؤال لم يعد يتمثل في كيفية منع كل الكوارث المناخية، وإنما في كيفية تقليل خسائرها وحماية الأرواح والاقتصادات عندما تقع.

عالم أكثر سخونة

و يشير المقال إلى أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية لا يعني فقط صيفا أكثر حرارة، بل ينعكس على مختلف الأنظمة الطبيعية والاقتصادية.

فالزراعة تواجه مواسم أكثر جفافا وتقلبا، والموارد المائية تتعرض لضغوط متزايدة، فيما تصبح المدن أكثر عرضة لظاهرة الجزر الحرارية، حيث ترتفع درجات الحرارة داخل التجمعات العمرانية بصورة أكبر من المناطق المحيطة.

كما تتأثر شبكات الكهرباء بزيادة الطلب على التبريد، بينما تواجه الأنظمة الصحية ضغوطا متزايدة بسبب الأمراض المرتبطة بالحر والإجهاد الحراري وتوسع نطاق بعض الأمراض المنقولة بالحشرات.

ويرى الكاتبان أن هذه التداعيات تكشف أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح تحديا اقتصاديا وتنمويا وأمنيا يمس مختلف القطاعات.

التكيف ليس رفاهية

ويخصص المقال مساحة واسعة لتوضيح مفهوم التكيف المناخي، موضحا أنه لا يقتصر على بناء السدود أو إقامة الحواجز البحرية، وإنما يشمل إعادة تصميم المدن والبنية التحتية، وتطوير شبكات الإنذار المبكر، وتحسين أنظمة إدارة المياه، واعتماد محاصيل زراعية أكثر قدرة على تحمل الجفاف والحرارة.

كما يشمل تحديث المباني لتصبح أكثر مقاومة للحرارة، وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن، وتعزيز جاهزية المستشفيات وخدمات الطوارئ لمواجهة الكوارث المناخية.

ويؤكد الكاتبان أن الاستثمار في هذه الإجراءات لا ينبغي اعتباره تكلفة إضافية، بل استثمارا يقلل الخسائر الاقتصادية والبشرية مستقبلا.

فجوة التمويل

و من أبرز القضايا التي يناقشها المقال ما يصفه بفجوة التمويل بين حجم المخاطر المناخية وحجم الأموال المخصصة للتكيف.

ويرى الكاتبان أن الدول النامية، التي تسهم بنسبة أقل في الانبعاثات التاريخية، تتحمل في كثير من الأحيان العبء الأكبر للكوارث المناخية، في وقت لا تحصل فيه على التمويل الكافي لتطوير بنيتها التحتية أو تعزيز قدرتها على الصمود.

ويعتبران أن النظام المالي الدولي لا يزال يمنح أولوية لمشروعات تحقق عائدا اقتصاديا مباشرا، بينما تتراجع الاستثمارات في مشروعات الوقاية والتكيف رغم أهميتها.

ومن هذا المنطلق، يدعوان إلى إصلاح آليات التمويل الدولية، وتوسيع مساهمة المؤسسات المالية متعددة الأطراف في تمويل مشروعات التكيف، خاصة في البلدان الأكثر هشاشة.

حدود الحلول التقليدية

ويرى المقال أن الاعتماد على الحلول التقليدية لم يعد كافيا أمام تسارع التغيرات المناخية.

فبناء السدود وحده، على سبيل المثال، لا يحل أزمة المياه إذا استمرت موجات الجفاف لسنوات متتالية، كما أن توسيع شبكات التكييف لا يكفي إذا أصبحت شبكات الكهرباء نفسها عرضة للانهيار تحت ضغط الطلب.

ويؤكد الكاتبان أن المطلوب هو إعادة التفكير في كيفية تخطيط المدن، وإدارة الموارد، وتصميم البنية التحتية، بما يجعلها أكثر قدرة على الصمود أمام ظروف مناخية مختلفة عما اعتاده العالم خلال القرن الماضي.

العدالة المناخية

و يتوقف المقال أيضا عند مفهوم العدالة المناخية، معتبرا أن الدول الفقيرة تتحمل خسائر أكبر رغم أنها ليست المسؤولة الرئيسية عن تراكم الانبعاثات منذ الثورة الصناعية.

ويؤكد الكاتبان أن التكيف مع المناخ لا يمكن أن يظل مسؤولية الدول المتضررة وحدها، بل يتطلب شراكة دولية أوسع تقوم على نقل التكنولوجيا، وتوفير التمويل، ودعم بناء القدرات المحلية.

كما يشددان على أن غياب هذا التعاون سيؤدي إلى اتساع الفجوة التنموية بين الدول، ويزيد من مخاطر الهجرة والنزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.

ما بعد خفض الانبعاثات

ولا يدعو المقال إلى التخلي عن سياسات خفض الانبعاثات، بل يعتبرها شرطا أساسيا للحد من تفاقم الأزمة مستقبلا، إلا أنه يرى أن الاقتصار عليها لم يعد يعكس طبيعة المرحلة الحالية.

فالانبعاثات التي أطلقت خلال العقود الماضية ستواصل تأثيرها على النظام المناخي لسنوات طويلة، وهو ما يعني أن آثار الاحترار ستستمر حتى مع تحقيق تقدم في التحول نحو الطاقة النظيفة.

ومن هنا، يدعو الكاتبان إلى الجمع بين مسارين متوازيين: مواصلة خفض الانبعاثات بوتيرة أسرع، والاستثمار في التكيف لحماية المجتمعات من المخاطر التي أصبحت واقعا قائما.

و يخلص كايت ماكنزي وتيم ساهاي إلى أن العالم يقف أمام تحول في طريقة فهمه لأزمة المناخ. فبدلا من النظر إليها باعتبارها أزمة مستقبلية، يدعوان إلى التعامل معها كحقيقة يومية تتطلب سياسات اقتصادية وتنموية جديدة، واستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية، وإصلاحا لمنظومة التمويل الدولية، وتعاونا أوسع بين الدول.

وبحسب رؤيتهما، فإن النجاح في مواجهة التغير المناخي لن يقاس فقط بكمية الانبعاثات التي يتم خفضها، وإنما أيضا بقدرة المجتمعات على حماية سكانها واقتصاداتها من عالم تزداد فيه موجات الحر والحرائق والفيضانات والجفاف شدة وتكرارا. ومن هذا المنطلق، يرى الكاتبان أن القرن الحادي والعشرين قد لا يكون قرن مكافحة التغير المناخي فحسب، بل قرن التكيف مع كوكب أصبح أكثر سخونة وأشد تقلبا.

Related posts

تقلّص نسبي مرتقب في فاعلية الرياح

الرائد الرسمي: تعيينات جديدة وإقالات في سلك المعتمدين

root

رئيس الجمهورية: تونس ليست في حاجة إلى شهادة استحسان من أيّ جهة خارجية