صابر الحرشاني
يرى خبراء أن من بين اسباب “انتكاسة” التعليم المضي في اصلاحات متعددة و متناقضة كان ضررها أكثر من نفعها، ما يستدعي وقفة تأمل لانجاح المسار الاصلاحي الذي انطلق مؤخرا.
ولم يعد الحديث عن أزمة التعليم في تونس يحتاج إلى كثير من الأدلة. فالوقائع اليومية داخل المؤسسات التربوية، ومشكلات المدرسين، وتراجع المكتسبات، وتعقد علاقة الأسرة بالمؤسسة التربوية، واضطراب مسارات التوجيه، وتنامي الفوارق بين المتعلمين، كلها تؤكد أن المنظومة التربوية وصلت إلى مرحلة لم يعد معها الإصلاح خيارا مؤجلا.
و ازاء هذا الواقع تصاعدت الاستفسارات في السنوات الاخيرة حول القدرة على امتلاك تصوؤ واضح لما ينبغي أن يكون عليه التعليم التونسي سيما أن التشخيص معلوم تقريبا لدى الجميع.
ويبدو هذا السؤال أهم بكثير من السؤال المتعلق بتعديل الزمن المدرسي أو تغيير الكتب أو مراجعة بعض البرامج، فهذه الملفات، على أهميتها، تنتمي إلى مستوى أدوات المنظومة، بينما تكمن الأزمة في مستوى أعمق جوهرها في فلسفة التعليم نفسها، وفي وظائف المدرسة، وفي صورة المتعلم التي نريد بناءها، وفي المكانة التي نمنحها للمعرفة والمدرس والمدرسة داخل المجتمع.
لقد أمضت بلادنا سنوات طويلة في معالجة مشكلات التعليم بمنطق التعديل المتدرج كلما ظهرت أزمة، جرى البحث عن إجراء جديد لمعالجتها؛ وكلما ظهر خلل في جانب من جوانب المنظومة، أضيف تعديل آخر إلى منظومة كانت أصلا وفق العارفين مثقلة بالتراكمات. والنتيجة أن الإصلاح تحول أحيانا إلى سلسلة من الإصلاحات الصغيرة، من دون أن تتغير البنية التي تنتج المشكلات نفسها.
ويرى خبراء المجال أنه يمكن تغيير الكتاب المدرسي مرات عديدة، لكن ذلك لن يكون كافيا إذا ظلت طريقة بناء المعرفة وتقديمها للطفل قائمة على الحفظ والاسترجاع أكثر مما تقوم على الفهم والتحليل والاستقلالية، كما يمكن تعديل الزمن المدرسي، لكن ذلك لن يحل المشكلة إذا لم نجب أولا عن سؤال: ماذا نريد من الوقت الذي يقضيه الطفل في المدرسة؟ ويمكن على هذا المحو إعادة تنظيم التوجيه، لكن التوجيه لن يصبح أكثر عدلا ونجاعة إذا كانت المدرسة نفسها عاجزة عن اكتشاف مواهب المتعلمين وميولهم وقدراتهم في وقت مبكر، بمعنى أن المشكلة ليست دائما في الأداة، وإنما في النموذج الذي يستخدم الأداة.
و مايزيد الوضع خطورة أن العالم من حول المدرسة تغير بسرعة هائلة، بينما لم تتغير المدرسة بالسرعة نفسها، فالطفل الذي يدخل اليوم إلى القسم يعيش في بيئة معرفية ورقمية ونفسية مختلفة جذريا عن تلك التي صممت لها أجزاء كبيرة من منظومتنا التعليميةحيث ان المعرفة أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، والذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة، وسوق العمل يتغير، والمهن نفسها تتبدل، بينما ما تزال المدرسة في كثير من الأحيان تتصرف كما لو أن مهمتها الأساسية هي نقل كمية محددة من المعارف ثم اختبار قدرة التلميذ على استرجاعها وهنا يصبح الإصلاح التربوي مسألة تتجاوز المتعارف عليه.
و يعتقد المنظرون ان المدرسة لا تعمل في فراغ، وهي تعكس، بدرجة كبيرة، طبيعة المجتمع الذي توجد فيه بما فيه من تصورات عن النجاح، وعلاقته بالمعرفة، ونظرته إلى المدرس، وطريقة تعامله مع الامتحان والشهادة، وحجم الثقة التي يمنحها للمؤسسات. ولذلك فإن إصلاح التعليم من دون مراجعة بعض هذه التصورات قد يجعل المدرسة مطالبة بتحقيق نتائج لا تسمح بها البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها.
ولا يمكن أن نتحدث بجدية عن إصلاح التعليم من دون أن يكون المدرس في قلب المشروع، فالمنظومات التعليمية لا تُصلح بالبرامج والوثائق والهياكل فحسب، وإنما بالكفاءات التي تنفذها داخل القسم، وإذا كان المدرس منهكا، أو فاقدا للحافز، أو غير مواكب للتحولات العلمية والبيداغوجية، أو يعمل داخل ظروف مهنية صعبة، فإن أفضل المناهج يمكن أن تفقد جزءا كبيرا من قيمتها عند وصولها إلى القسم.
و لا بد من الاصلاح المأمول أن يعيد بناء مهنة التدريس نفسها من التكوين الأولي، و التكوين المستمر، مرورا بالمسار المهني، والتقييم، والحوافز، والاستقلالية المهنية، وصولا الى الاعتراف الاجتماعي، على اعتبار أن اكبر من ان يكون منفذ لبرنامج رسمي، وإنما هو أحد أهم الفاعلين في إنتاج جودة التعليم.
كذلك لا يمكن فصل الأزمة التربوية عن أزمة العدالة الاجتماعية، فحين تختلف فرص الطفل باختلاف الوسط الاجتماعي الذي ولد فيه، وحين تصبح الأسرة مطالبة بتوفير الدروس الخصوصية والدعم الخارجي حتى ينجح أبناؤها، فإن المدرسة تفقد تدريجيا جزءا من وظيفتها الأساسية باعتبارها أداة لتحقيق تكافؤ الفرص، هذه ربما إحدى أخطر القضايا التي ينبغي أن تكون في قلب الإصلاح.
ويبدو الرهان الحقيقي هو ألا يتحول الاصلاح إلى مساحة أخرى لإنتاج التقارير والتوصيات، ثم تضاف توصياتها إلى رف طويل من المشاريع المؤجلة، فالمطلوب هو بناء تصور متكامل يمكن أن يجيب بوضوح عن أسئلة كبرى، اي مدرسة نريد؟و ماذا نريد أن يتعلم الطفل؟و ما الذي ينبغي أن يبقى من المدرسة التقليدية وما الذي يجب أن يتغير جذريا؟ وكيف نعيد الاعتبار للمدرس؟ وكيف نضمن العدالة بين المتعلمين؟ وكيف نجعل التعليم متصلا بالحياة لا منفصلًا عنها؟
