ضربة البداية نهاية الاسبوع الجاري….حتى تكون بطولتنا في مستوى الانتظارات

صابر الحرشاني

تدقّ بطولة الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم أبواب موسمها الرياضي الجديد 2026-2027، وتستعد الأندية لضربة البداية نهاية هذا الأسبوع، وسط آمال بأن تكون انطلاقة موسم مختلف، يستجيب لتطلعات العائلة الرياضية ويعيد للبطولة شيئا من بريقها ومصداقيتها.

ومع انطلاقة كل موسم رياضي تتعالى الأصوات المطالبة ببطولة نظيفة، لا يشوبها جدل تحكيمي متواصل، ولا تُدار من خارج الملاعب، ولا تتحوّل فيها البيانات إلى سلاح يومي في معركة عبثية. فالجمهور ملّ من صور التظلم والتشكيك والاتهامات المتبادلة، ولم يعد مستعدا لتقبل موسم آخر تُختزل فيه كرة القدم في النتائج والخلافات والصراعات الجانبية، بدل أن تكون المنافسة الرياضية هي العنوان الأول.

وتكرر الحديث عن التغيير في كل موسم دون أن تتغير بعض الطباع والممارسات، فالأندية مازالت تعاني، بدرجات متفاوتة، من نقائص في التنظيم والتسيير، والهياكل المشرفة مطالبة بمزيد من تطوير آليات عملها، فيما يظل التحكيم والبنية التحتية والعنف من الملفات التي تحتاج إلى معالجة جدية، لا إلى حلول ظرفية يتم ترحيلها من موسم إلى آخر.

وتبقى مسألة الملاعب من أبرز التحديات التي تهدد انتظام البطولة وجودتها. فلا يعقل أن تدخل فرق محترفة موسما جديدا وهي تعاني من غياب ملعب قار أو من صعوبات تحول دون استقبال جماهيرها، أو أن تتواصل مشاكل المنشآت والتجهيزات بما يؤثر في برمجة المباريات وظروف إجرائها. فالميدان هو الفضاء الطبيعي للتنافس، وأي خلل متواصل في هذا الجانب يمس جوهر المسابقة ويؤثر مباشرة في صورتها.

وتطرح قضية العنف نفسها من جديد، لا في المدارج فقط، وإنما أيضا في الخطاب وفي سلوك بعض المسؤولين واللاعبين والمتدخلين في الشأن الرياضي. فبطولة لا تتوفر فيها أجواء آمنة لا يمكن أن تطالب جمهورها بالانضباط، وبيئة مشحونة بالكراهية لا يمكن أن تنتج كرة قدم سليمة. والمسؤولية هنا لا تقع على الأمن وحده، بل على كل من يساهم في تأجيج التوتر، سواء في الإدارة أو الإعلام أو الفضاء الرقمي.

وتكمن خطورة التراشق الدائم في أنه يخلق مناخا غير سوي، يصرف الأنظار عن المتعة الكروية ويربك مسار البطولة كلما بدأ في التماسك. والمشكلة لا تكمن في وجود الأخطاء، فذلك جزء من اللعبة، وإنما في الإصرار على تحويل كل خطإ إلى أزمة، وكل قرار إلى قضية، وكل نتيجة إلى مناسبة للتشكيك في المنافس.

ويظل التحكيم من الملفات الحارقة التي تستوجب المعالجة، لا لأن الحكام سيئون بالضرورة، وإنما لأن الشفافية والتكوين المستمر والتواصل المؤسساتي عوامل أساسية لبناء الثقة. فالشارع الرياضي لا يطلب الكمال، وإنما يطلب عدالة نسبية، ووضوحا في الاختيارات، وحوكمة تجعل من التحكيم جزءا من الحل، لا مصدرا دائما للأزمة.

وفي المقابل، تنتظر الجماهير بطولة ترتقي فنيا، لا بمجرد الأسماء والانتدابات، وإنما من خلال الإيقاع والروح والتنظيم ونظافة اللعب. فالفوز لا يقاس بالنقاط فقط، بل أيضا بمستوى العروض واحترام المنافس وانضباط اللاعبين وقدرة المدربين على بناء فرق تصنع الفارق بأسلوبها وشخصيتها، لا فقط باستغلال أخطاء المنافسين.

وإذا ما تحسن المستوى العام لبطولة الرابطة المحترفة الأولى، فإن انعكاساته لن تتوقف عند حدود المنافسة المحلية، بل ستشمل بالضرورة كرة القدم التونسية ككل، بما في ذلك المنتخب الوطني والأندية المشاركة قاريا. فمنتخب قوي يحتاج إلى بطولة قوية، وأندية قادرة على المنافسة الإفريقية والعربية تحتاج بدورها إلى مسابقة محلية توفر لها نسقا فنيا وتنافسيا عاليا.

ويبدو أن مطلب التنافس الحقيقي لم يعد ترفا، بل أصبح ضرورة. فالمنافسة القوية لا تُبنى فقط على أسماء الأندية الكبيرة، وإنما تحتاج إلى فرق قادرة على التطور والمنافسة وخلق المفاجأة، وهو ما يتطلب توفير مناخ يساعد الأندية على العمل، ويجنبها الهزات المتكررة الناتجة عن سوء التسيير أو غياب التمويل أو ضعف البنية التحتية.

وتُطرح كذلك مسألة حضور الجمهور، باعتباره أحد أهم عناصر قيمة البطولة. فغياب الجماهير، سواء بسبب العقوبات أو ظروف المنشآت أو الإشكالات الأمنية، يفقد المباريات جانبا مهما من فرجتها ويحوّل الملاعب إلى فضاءات صامتة. والجمهور ليس مجرد ديكور، بل شريك أساسي في نجاح المسابقة، شرط أن يقترن حضوره بالانضباط والاحترام ونبذ العنف.

ولا يمكن الحديث عن بطولة محترمة دون التوقف عند الجانب المالي والإداري. فالأندية التي تفتقد إلى موارد قارة وتعيش على الحلول الظرفية تظل عرضة للأزمات والنزاعات، فيما يؤدي غياب الشفافية المالية وضعف الحوكمة إلى ترحيل المشاكل من موسم إلى آخر. ولذلك فإن تطوير البطولة يمر أيضا عبر إرساء تسيير أكثر احترافية، ومزيد من الشفافية والمحاسبة، ورؤية اقتصادية واضحة تساعد الأندية على الاستقرار.

ويُمثّل الإعلام بدوره طرفا أساسيا في هذا البناء، بوصفه فاعلا في ضبط الإيقاع وتحفيز التغيير ومقاومة التجييش. فكل بطولة تُدار إعلاميا بمنطق الإثارة الرخيصة والصدام الدائم تكون أكثر عرضة للتوتر، بينما تساهم التغطية المهنية في توجيه النقاش نحو جوهر اللعبة، ومساءلة المسؤولين دون تحويل كل خلاف إلى معركة.

ومع اقتراب ضربة البداية، لا يحتاج المشهد الكروي إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى ممارسة مختلفة. المطلوب أن تكون الملاعب عنوان المنافسة، وأن يكون الحكم جزءا من اللعبة، وأن تبقى البيانات آخر وسائل التعبير لا أولها، وأن يتحمل كل طرف مسؤوليته في حماية البطولة من التوتر والانحراف عن مسارها الرياضي.

وتملك تونس كل المقومات التي تسمح لها ببطولة محترمة: تاريخ كروي عريق، أندية ذات تقاليد، مواهب عديدة وجمهور واسع. لكن الإمكانيات وحدها لا تكفي إن لم تُحسن إدارتها. لذلك فإن التحدي الحقيقي في الموسم الجديد لا يتمثل فقط في معرفة من سيتوج باللقب، ومن سيضمن البقاء، ومن سيشارك قاريا، وإنما في معرفة ما إذا كانت البطولة ستنجح هذه المرة في تقديم نفسها كمسابقة محترفة، منتظمة، تنافسية، وآمنة، وتستعيد ثقة جمهورها.

فلتكن ضربة بداية الموسم الجديد مناسبة لفتح صفحة مختلفة، ولتكن المنافسة في الملعب، والاحتكام إلى القوانين، والاحترام عنوان العلاقة بين الجميع. عندها فقط يمكن أن تكون بطولتنا في مستوى الانتظارات.

Related posts

إضراب عام للتاكسي الفردي يوم 27 أفريل الجاري

Rahma Khmissi

Ooredoo lance sa campagne estivale “Activi Sifek” et dévoile une nouvelle gamme d’offres et de services

وزير الدفاع الوطني يؤدي زيارة إلى الإدارة العامة للذخيرة والأسلحة