منبر الجمعة: استغفروا ربكم إنه كان غفّارًا

قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ۝ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12].

في هذه الآيات الكريمة يضع القرآن الكريم بين أيدي المؤمنين باباً عظيماً من أبواب الرحمة، ويكشف لهم عن عبادة يسيرة في أدائها، عظيمة في أثرها، وهي الاستغفار. فقد جعلها نبي الله نوح عليه السلام من صميم دعوته إلى قومه، ودعاهم إلى العودة إلى الله والإكثار من طلب مغفرته، ثم ذكّرهم بسعة فضل الله وكثرة عفوه.

إن قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ يحمل في كلماته معنى الرجاء والطمأنينة. فالله سبحانه وتعالى غفّار لذنوب عباده، يقبل توبة من تاب، ويغفر لمن رجع إليه، ويفتح لعبده طريق الأمل كلما أقبل عليه بقلب صادق.

والاستغفار اعتراف من الإنسان بحاجته إلى ربه، وإقرار بأن الكمال لله وحده، وأن العبد مهما اجتهد في الطاعة يبقى محتاجاً إلى عفو الله ورحمته. ولذلك كان رسول الله ﷺ كثير الاستغفار، فقال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» رواه البخاري، وقال ﷺ: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة» رواه مسلم.

وحين تحدثت سورة نوح عن الاستغفار، قرنت به أبواباً من الخير والبركة، فقال تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ۝ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. وفي ذلك بيان لما يترتب على التوبة والاستغفار من آثار في حياة الإنسان، فالاستقامة سبب للبركة، والاستغفار من أسباب نزول الخير والرحمة.

وقد كان الاستغفار حاضراً في حياة الأنبياء والصالحين، وجعل الله من صفات عباده المتقين أنهم يستغفرون في الأسحار، فقال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]. وفي وقت السحر يجد القلب فرصة للهدوء والخشوع، فيقبل العبد على ربه بالدعاء والذكر، ويستحضر تقصيره، ويرجو مغفرة خالقه.

ويرتبط الاستغفار بالتوبة ارتباطاً وثيقاً، قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 3]. فالتوبة عودة إلى الله، والاستغفار طلب للعفو، وصدق التوبة يظهر في سلوك الإنسان وحياته؛ فمن استغفر من ظلم أصلح ما أفسد، ومن استغفر من تقصير اجتهد في تداركه، ومن أذنب ثم تاب عزم على ترك الذنب.

ومن رحمة الله بعباده أن جعل باب المغفرة مفتوحاً أمام من رجع إليه، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110]. فمهما أثقلت الذنوب قلب الإنسان، يبقى طريق العودة قائماً، وتبقى رحمة الله أوسع من خطايا العباد.

والاستغفار من الأذكار التي يستطيع المسلم أن يجعلها رفيقاً دائماً له؛ فيستغفر الله في صباحه ومسائه، وبعد صلاته، وفي خلوته، وفي وقت السحر، وكلما تذكر ذنباً أو تقصيراً. ومن أعظم صيغ الاستغفار ما علّمه النبي ﷺ لأمته في «سيد الاستغفار»: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك…».

إن أجمل ما في الاستغفار أنه يربي في النفس معنى الافتقار إلى الله، ويمنح القلب أملاً متجدداً، ويجعل المؤمن أكثر وعياً بأخطائه وأكثر حرصاً على إصلاحها. وكلما أكثر العبد من الاستغفار، ازداد قرباً من ربه، وتجدد في قلبه معنى التوبة والإنابة.

ولهذا تبقى دعوة نوح عليه السلام حاضرة في حياة المؤمن مهما تغيرت الظروف: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾.

إنها دعوة إلى فتح أبواب السماء بالرجاء، وإلى تطهير القلب بالتوبة، وإلى استقبال رحمة الله بقلب مؤمن بحسن الظن بربه، كثير الرجوع إليه.

فطوبى لمن جعل الاستغفار زاداً له، والتوبة طريقاً، ورجاء رحمة الله رفيقاً في حياته.

Related posts

منظمة إرشاد المستهلك تدعو وزارة التربية إلى توحيد قوائم مستلزمات الأدوات المدرسية

جامعة البنوك تلوح بتحركات احتجاجية الاسبوع المقبل

صابر الحرشاني

البنك التونسي للتضامن: 325 مليون دينار لتمويل المشاريع سنة 2024

Na Da