صابر الحرشاني
دخلت بلادنا منذ السبت 22 أوت الجاري في مرحلة حارة يُرجّح أن تكون من أبرز موجات الحر التي تشهدها البلاد خلال هذا الصيف، وفق آخر مخرجات النماذج الأوروبية، ولا سيما منظومة المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى والنموذج البريطاني .
وتكشف آخر التحديثات أن الموجة لا تبدو قصيرة المدى، كما أن ذروتها قد لا تكون موحّدة زمنياً بين مختلف مناطق البلاد.
وتشير القراءة المشتركة للتوقعات الأوروبية إلى أن الحرارة ستواصل ارتفاعها خلال الأيام الأولى من الموجة، مع تسجيل أعلى القيم في المناطق الداخلية والجنوبية والوسطى، في حين سيكون تأثير البحر أكثر وضوحا على المناطق الساحلية، بما يجعل الفوارق الحرارية بين المدن الساحلية والداخلية كبيرة في اليوم نفسه.
ذروة على مراحل
المؤشر الأبرز في آخر التوقعات الأوروبية هو أن الموجة لا تسير نحو ذروة وحيدة ومحددة بيوم واحد فبعد بداية التصاعد السبت، يُنتظر أن تكون الحرارة مرتفعة جدا غدا الاثنين ، قبل أن تواصل المناطق الداخلية تسجيل قيم شديدة الارتفاع الثلاثاء والأربعاء.
وتشير مخرجات النموذج البريطاني إلى إمكانية بلوغ الحرارة في عدد من مناطق الوسط مستويات تناهز 45 و46 درجة، مع إمكانية تسجيل قيم أعلى محليا في حين تظل المناطق الساحلية أقل نسبياً بفعل التأثير البحري.
وتبرز القيروان والمناطق الداخلية بصفة خاصة ضمن البقع الأكثر تعرضا للحرارة، إذ تضع التوقعات الأوروبية درجات تقترب من منتصف الأربعينات خلال الفترة الأشد، مع إمكانية بلوغ أو تجاوز 46 درجة في بعض الفترات، وفي المقابل، تكون الحرارة في تونس الكبرى والسواحل أدنى نسبيا، وإن ظلت فوق المعدلات المعتادة بفارق واضح.
وتؤكد التنبؤات أن تقييم موجات الحر لا يعتمد على درجة الحرارة القصوى وحدها، وإنما يشمل أيضا مدة استمرار الحرارة، ودرجات الحرارة الدنيا ليلا، والانحراف عن المعدلات المناخية، كما يوفر المركز الأوروبي مؤشر لتحديد المناطق التي يُحتمل أن تعرف درجات حرارة استثنائية مقارنة بالمناخ النموذجي للمنطقة.
حرارة تتجاوز المعدلات بفارق كبير
الخاصية الثانية لهذه الموجة هي اتساع الفارق بين الحرارة المتوقعة والمعدلات العادية لشهر أوت، فالمسألة لا تتعلق بمجرد أيام صيفية شديدة الحرارة، وإنما بفترة يُتوقع أن تبقى خلالها درجات الحرارة أعلى من المعتاد بصورة ملحوظة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في المناطق الداخلية، حيث يؤدي غياب التأثير المباشر للبحر إلى ارتفاع أسرع وأكبر للحرارة خلال ساعات النهار، بينما تسمح الأجواء الجافة والرياح الجنوبية في بعض الفترات باستمرار التسخين.
ويقول المركز الأوروبي انه يتابع مثل هذه الحالات من خلال متوسطات الحرارة وانحرافها عن مناخ النموذج، إضافة إلى درجات الحرارة القصوى والدنيا، ويشير المركز إلى أن التنبؤ بموجات الحر يحتاج إلى الجمع بين شدة الحرارة واستمراريتها، وليس الاقتصار على قيمة قصوى منفردة.
الليل لن يكون باردا
ولا تقتصر خصوصية الموجة الحالية على ارتفاع الحرارة نهارا، إذ يُنتظر أن تكون الليالي بدورها دافئة، خصوصاً في المناطق الحضرية والساحلية.
وهذه الخاصية تجعل موجة الحر أكثر إرهاقا لأن الجسم والمباني لا يحصلان على فترة تبريد كافية خلال الليل. وتؤكد التوقعات في تحليلاتها العلمية لموجات الحر أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة ليلا يضاعف أثر الموجة، حتى عندما لا تبلغ درجات الحرارة القصوى مستويات قياسية.
وتزداد أهمية هذا العامل كلما طال عمر الموجة، إذ تتحول الحرارة من ظاهرة نهارية إلى ضغط حراري متواصل يمتد على مدار الساعة.
وتبدو الخريطة الحرارية الأوروبية واضحة في تمييز المناطق الداخلية عن الشريط الساحلي، فكلما ابتعدنا عن البحر، ترتفع احتمالات تسجيل القيم القصوى، خاصة في الوسط والجنوب الغربي وبعض مناطق الجنوب.
أما المدن الساحلية، فرغم تعرضها لموجة الحر، فإن تأثير البحر يساعد عادة على الحد من الارتفاعات القصوى مقارنة بالمناطق الداخلية. غير أن ذلك لا يعني اعتدال الأجواء، إذ يمكن أن تبقى درجات الحرارة مرتفعة جداً، إلى جانب ارتفاع الحرارة ليلا.
وتعني هذه الوضعية أن البلاد قد تعيش في اليوم نفسه درجات حرارة في الأربعينات العالية داخل البلاد، مقابل درجات أدنى بعدة درجات على السواحل.
موجة طويلة
ومن أبرز ما تكشفه التحديثات الأوروبية الأخيرة أن الحديث عن موجة حر تنتهي مباشرة بعد الأحد أو الاثنين سيكون سابقا لأوانه.
فالسيناريو الأكثر ترجيحا يشير إلى استمرار الأجواء الحارة بقوة خلال النصف الأول من الأسبوع، مع احتمال انتقال أعلى درجات الحرارة نحو الوسط والداخل الثلاثاء والأربعاء، وبعد ذلك يمكن أن يبدأ التراجع تدريجيا في بعض المناطق، لكن التراجع لا يعني بالضرورة عودة سريعة إلى المعدلات الموسمية.
وتبقي التوقعات هامشا زمنيا واسعا لرصد تطور درجات الحرارة والانحرافات الحرارية، وهو ما يفرض الحذر في التعامل مع توقعات ما بعد اليوم الخامس، حيث تزداد درجة عدم اليقين كلما ابتعد أفق التنبؤ. وتوفر منظومة التوقعات العالمية توقعات متوسطة المدى إلى نحو 10 أو 15 يوما، وتوقعات ممتدة تصل إلى 46 يوما مع اختلاف طبيعة المعلومات ودرجة اليقين بين المدى المتوسط والممتد.
ويمكن القول أن ملامح الموجة الحالية، وفق النماذج الأوروبية، تتمثل في ارتفاع شديد للحرارة، واتساع رقعة المناطق المتأثرة، وفارق كبير عن المعدلات، واستمرار الحرارة المرتفعة ليلا مع ذروة لا تبدو موحدة زمنياً بين مختلف الجهات.
