تتابع موجات الحر في تونس…هل دخلنا مرحلة تطرف المناخ؟

صابر الحرشاني

يثير تتابع موجات الحر في تونس خلال صيف 2026 مخاوف من أن يكون المناخ قد أخذ منحى يصعب الرجوع عنه, وان الطقس المداري سيكون غالبا طقسنا.

موجة حر قوية في جويلية، ثم ارتفاع جديد وحاد في اوت، مع درجات تجاوزت 40 درجة في مناطق واسعة هذه الايام، جعلت هذا الصيف واحدا من أكثر فصول الحرارة لفتا للانتباه في السنوات الأخيرة.

وتعزز الأرقام  هذا الانطباع، فقد بلغ متوسط الحرارة في تونس خلال جويلية 2026 نحو 31.7 درجة مئوية، أي أعلى بـ3.4 درجات من المعدل المرجعي، ليصبح ثاني أحر جويلية منذ بدء تسجيل البيانات، بعد جويلية 2023. وسجلت عدة محطات درجات قياسية، فيما كانت درجات الحرارة ليلا مرتفعة بصورة غير معتادة أيضا، و هذا يثير مخاوف من أن تكون بلادنا بصدد الانتقال إلى مناخ أكثر حرارة خلال العقود المقبلة.

تأكيدات عالمية

و تشير الدراسات المناخية الدولية  بوضوح إلى أن تونس تسير في هذا الاتجاه، وتضع نماذج المناخ الحديثة منطقة شمال إفريقيا والمتوسط ضمن المناطق الأكثر تعرضا لارتفاع الحرارة خلال القرن الحالي، وبالنسبة إلى تونس، تتوقع الإسقاطات ارتفاعا واضحا في درجات الحرارة، خصوصا خلال فصل الصيف، بالتزامن مع زيادة فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية.

ويشير تحليل للبنك الدولي إلى أن درجات الحرارة القصوى في تونس مرشحة للارتفاع بشكل كبير بحلول منتصف القرن، مع زيادة في عدد أيام موجات الحر.

وفي السيناريوهات ذات الانبعاثات المرتفعة، يصبح الاحترار في نهاية القرن أكبر بكثير، مع تغيرات عميقة في الظروف المناخية التي اعتاد عليها السكان خلال القرن الماضي.

وتؤكد دراسة علمية حديثة، نشرت في 2026  هذه الصورة بالنسبة إلى تونس تحديدا، فقد شملت الدراسة منطقة حوض مجردة، وأظهرت استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال العقود المقبلة، مع اشتداد الاحترار الصيفي في السيناريوهات التي تفترض استمرار الانبعاثات المرتفعة.

المسألة المهمة هنا أن تغير المناخ لا يعني أن كل سنة ستكون أكثر حرارة من السنة التي سبقتها، حيث يمكن أن يأتي صيف أكثر اعتدالا بعد صيف شديد الحرارة، وقد تتراجع درجات الحرارة مؤقتا،لكن ما يتغير هو الاحتمال الإحصائي اذ ترتفع فرصة حدوث موجات حر شديدة، وتصبح مدة هذه الموجات أطول، وتتكرر بوتيرة أكبر، وهذا يفسر لماذا أصبحت درجات الحرارة الليلية عنصرا مهما في تقييم موجات الحر، فعندما تبقى الحرارة مرتفعة بعد غروب الشمس، لا يحصل الجسم على فترة التبريد المعتادة، ويزداد الضغط على أجهزة التكييف والطاقة  كما ترتفع معدلات تبخر المياه، وتتضاعف الضغوط على الزراعة والموارد المائية.

تأثيرات محتملة

و تكشف هذه الدراسات ان بلادنا معرضة لهذه التأثيرات بصورة خاصة بسبب موقعها في المنطقة المتوسطية وندرة مواردها المائية، فارتفاع الحرارة لا يأتي منفصلا عن الجفاف، التربة الأكثر جفافا تفقد جزءا من قدرتها على تبريد الجو من خلال التبخر، ما يمكن أن يساهم بدوره في تضخيم موجات الحر.

ولهذا السبب، فإن النظر إلى صيف 2026 باعتباره  سلسلة من الأيام شديدة الحرارة قد يفوّت الجزء الأهم من الصورة، حيث ان القيمة الحقيقية لهذه السنة بالنسبة إلى الباحثين ليست في تسجيل رقم قياسي مطلق بالضرورة، وإنما في مراقبة تزامن عدة ظواهر: حرارة مرتفعة لفترات طويلة، موجات حر متكررة، و ليال شديدة الحرارة، وجفاف وضغط متزايد على الماء والطاقة.

كيف سيكون المستقبل؟

اذا استمرت الاتجاهات الحالية للانبعاثات، فإن ما نعتبره اليوم صيفا استثنائيا سيصبح أكثر احتمالا خلال العقود المقبلة.

وقد يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق، فالرقم القياسي ينتهي بانتهاء اليوم الذي سُجل فيه، أما تغير المناخ فيغير خط الأساس نفسه، وعندما ترتفع درجة حرارة المناخ تدريجيا، تصبح موجات الحر التي كانت نادرة أكثر شيوعا، وتصبح الحرارة التي كانت استثنائية أقل استثنائية.

و من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى صيف 2026 باعتباره إنذارا أكثر منه رقما قياسيا. 

ولا يمكن الجزم بأن هذه السنة تمثل نقطة تحول منفردة، لكن الاتجاه العلمي واضح اذ تبدو بلادنا تتجه نحو مناخ أكثر حرارة وجفافا، وموجات الحر الشديدة مرشحة لأن تصبح جزءا أكثر اعتيادا من الصيف التونسي خلال العقود القادمة.

Related posts

خلال يوم: 5 وفيات و365 إصابة في حوادث مختلفة

Na Da

وزير الداخلية يُشرف على الاجتماع الدوري لمديري الأقاليم للأمن والحرس الوطنيين

Ra Mzi

اعتماد مضمون الولادة المستخرج عبر بوابة e-bawaba في جميع الإجراءات الإدارية الخاصة بوزارة الداخلية

Na Da