التبريد.. صناعة المستقبل في عالم تزداد حرارته

صابر الحرشاني

يسجل العالم طلبا متصاعدا على تقنيات التبريد بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع المدن وتحسن مستويات الدخل في البلدان النامية، ما يجعل الصناعات المتعلقة بالتبريد اهم مشغل حاضرا و مستقبلا.

وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن استهلاك الكهرباء المخصص لتبريد المباني ارتفع بنحو 50% منذ عام 2015، وبلغ قرابة 2900 تيراواط/ساعة، وهو مستوى يتجاوز استهلاك الاتحاد الأوروبي من الكهرباء.

حرارة شديدة تفرض التغيير

هذا الاتجاه مرشح للتسارع خلال العقود المقبلة، فارتفاع درجات الحرارة يدفع الأسر والشركات إلى اقتناء أجهزة التكييف، فيما تتوسع الحاجة إلى التبريد في المستشفيات، ومراكز البيانات، والمنشآت الصناعية، وسلاسل نقل الأغذية والأدوية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن نحو 1.2 مليار شخص يعيشون حاليا في مناطق معرضة لمخاطر صحية واقتصادية وغذائية بسبب ضعف الوصول إلى خدمات التبريد.

وأصبح التبريد عاملا مؤثرا في استقرار شبكات الكهرباء، خصوصا خلال فترات موجات الحر، فعندما ترتفع درجات الحرارة، يتزامن تشغيل ملايين أجهزة التكييف في الساعات نفسها، ما يرفع أحمال الشبكات إلى مستويات قياسية ويزيد الحاجة إلى قدرات إنتاج ونقل إضافية.

وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وزيادة امتلاك أجهزة التكييف إلى إضافة مئات الجيغاواطات إلى الطلب العالمي على الكهرباء خلال السنوات المقبلة.

وتظهر هذه الضغوط بصورة واضحة في الاقتصادات الناشئة، حيث يتوقع أن تأتي نسبة كبيرة من نمو الطلب المستقبلي على التكييف من آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.

ولا تتعلق المسألة بالمنازل وحدها، فارتفاع الحرارة يهدد إنتاجية العمال، ويزيد مخاطر الإجهاد الحراري، ويجعل تبريد المستشفيات والمنشآت الحيوية وسلاسل الغذاء جزءا من البنية الأساسية للاقتصاد. ولهذا تتعامل مؤسسات دولية مع الوصول إلى التبريد باعتباره أحد عناصر التكيف مع تغير المناخ.

أولوية اقتصادية

ويبدو أن زيادة عدد أجهزة التكييف ليست الحل الأكثر استدامة، فالتوسع غير المنضبط في استخدامها قد يرفع استهلاك الكهرباء والانبعاثات، خصوصا في البلدان التي يعتمد إنتاج الكهرباء فيها على الوقود الأحفوري.

ويقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الطلب العالمي على التبريد قد يتجاوز ثلاثة أضعاف مستوياته الحالية بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الراهنة، وفي المقابل، يمكن لتدابير الكفاءة والتبريد السلبي وتحسين تصميم المباني واستخدام أجهزة أكثر كفاءة أن تحد بصورة كبيرة من هذا النمو.

وتشمل الحلول المتاحة تحسين العزل الحراري، واستخدام الأسطح والواجهات التي تحد من امتصاص الحرارة، وتوسيع التظليل والتهوية الطبيعية، إلى جانب تطوير أجهزة تكييف ذات كفاءة أعلى واستخدام مبردات ذات تأثير مناخي أقل.

وتكتسب غازات التبريد أهمية خاصة في هذا التحول، فقد ساهمت سياسات التخلص التدريجي من المواد المستنزفة لطبقة الأوزون في تغيير تركيبة سوق التبريد، فيما يركز اتفاق كيغالي على خفض استخدام مركبات الهيدروفلوروكربون، وهي غازات يمكن أن تمتلك قدرة كبيرة على تسخين الغلاف الجوي.

سوق ضخمة للتقنيات الحرارية

وتفتح الحاجة المتزايدة إلى التبريد مجالا استثماريا واسعا أمام شركات تصنيع المعدات والطاقة والبناء والتقنيات الحرارية والطلب المستقبلي لن يتركز فقط على بيع مكيفات إضافية، بل على منظومة متكاملة تشمل المباني الموفرة للطاقة، وأنظمة التبريد المركزي، والمضخات الحرارية، والتخزين الحراري، والشبكات الذكية وإدارة الطلب على الكهرباء.

ومن المتوقع أيضا أن يزداد دور الطاقة الشمسية في تشغيل أنظمة التبريد، خصوصا في المناطق التي تتزامن فيها ذروة الإشعاع الشمسي مع ذروة الحاجة إلى التكييف، كما يمكن لتقنيات التخزين الحراري أن تساعد على نقل جزء من استهلاك الكهرباء إلى ساعات انخفاض الطلب.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الجمع بين تحسين كفاءة أجهزة التبريد، والتصميم الجيد للمباني، والتخلص التدريجي من غازات التبريد ذات التأثير المناخي المرتفع يمكن أن يخفض الانبعاثات المرتبطة بالقطاع بصورة كبيرة مقارنة بمسار النمو التقليدي.

ويبدو ان المنافسة لن تكون على إنتاج أجهزة أكثر عددا، وإنما على إنتاج برودة أقل استهلاكا للطاقة وأقل تأثيرا على المناخ.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، ستصبح كفاءة التبريد مؤشرا على قدرة المدن والدول على حماية السكان والاقتصاد، كما ستتحول التكنولوجيا المرتبطة بها إلى أحد الأسواق الرئيسية في اقتصاد التكيف مع تغير المناخ.

Related posts

سحب كثيفة مع أمطار متفرقة ومؤقتا رعدية بمناطق الشمال و محليا الوسط

Ra Mzi

طقس اليوم الأربعاء 20 سبتمبر 2023

root

المرصد التونسي للمياه : ولايات تونس الكبرى تحتل المرتبة الأولى في مؤشر العطش

Anissa Taha