بين المذكرة والتنفيذ … ماذا عن اعتقال نتنياهو؟

صابر الحرشاني

عاد ملف مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الواجهة مع وصوله إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدما جدد رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني دعوته إلى احترام المذكرة، في وقت أقر فيه بأن سلطات المدينة لا تملك الصلاحية القانونية لتنفيذها.

وكان ممداني قد تعهد خلال حملته الانتخابية بالسعي إلى توقيف نتنياهو إذا دخل نيويورك، استنادا إلى مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024. لكن الموقف تغير بعد مراجعة قانونية أجرتها سلطات المدينة، إذ أقر في جويلية الماضي بأن نيويورك لا تملك سلطة قانونية مستقلة لتنفيذ المذكرة.

وفي أحدث تصريحاته، لم يعلن ممداني التخلي عن موقفه من المذكرة، بل قال إن عليه أن يتم احترامها، مع إقراره في الوقت نفسه بأن سلطات المدينة لا تستطيع تنفيذها، وقال في مقابلة مع شبكة “سي أن أن” إن إصدار المحكمة مذكرة اعتقال بحق شخص بسبب انتهاك القوانين الدولية يطرح، في نظره، مسألة المساءلة التي ينبغي ألا تستثني أحدا.

وهنا تبرز المسألة الأساسية وهي ماذا تعني مذكرة الاعتقال الدولية عندما يكون الشخص موجودا في دولة لا تنتمي إلى نظام المحكمة الجنائية الدولية؟

حدود تنفيذ المذكرة 

و تستند المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ أوامر الاعتقال إلى تعاون الدول التي تملك صلاحية توقيف الأشخاص الموجودين على أراضيها، وينص نظام روما الأساسي على أن الدولة الطرف التي تتلقى طلبا للتوقيف تتخذ الإجراءات اللازمة وفقا لقوانينها، ثم يمثل الشخص أمام سلطة قضائية مختصة للنظر في إجراءات توقيفه وتسليمه إلى المحكمة.

وهذا التفصيل مهم في حالة نتنياهو، لأن الولايات المتحدة ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، كما أن إسرائيل ليست عضوا في المحكمة، ولذلك فإن مذكرة المحكمة لا تتحول، بمجرد صدورها، إلى أمر توقيف تنفذه شرطة نيويورك تلقائيا.

وتعني هذه الوضعية أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود مذكرة اعتقال، وإنما أيضا بالجهة التي تملك الصلاحية القانونية لتنفيذها، وبالالتزامات الدولية للدولة التي يوجد المطلوب على أراضيها، و ربما هذا هو السبب الذي جعل ممداني ينتقل من الحديث عن إمكانية تنفيذ المذكرة إلى الإقرار بعدم امتلاك المدينة هذه الصلاحية، ففي جويلية الماضي ، أعلن أن المراجعة القانونية أظهرت أن نيويورك لا تملك سلطة مستقلة لإنفاذ مذكرة المحكمة، وهو ما أنهى عمليا احتمال قيام شرطة المدينة بتوقيف نتنياهو استنادا إلى المذكرة وحدها، وبذلك أصبح الملف يتجاوز سلطات رئيس البلدية وشرطة نيويورك، ليدخل في نطاق السلطات الفدرالية الأمريكية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وفي المقابل، واصلت الإدارة الأمريكية رفضها للمحكمة الجنائية الدولية، بينما أكد ممداني أن المذكرة ينبغي احترامها. وفي أحدث تصريحاته، حافظ على هذا الموقف، رغم إقراره بأن المدينة نفسها لا تستطيع تنفيذها.

ماذا تحقق مذكرة الاعتقال إذن؟

صعوبة تنفيذ المذكرة في نيويورك لا تعني أنها بلا آثار قانونية أو سياسية. فالمحكمة أصدرتها بعد إجراءات قضائية، وهي تختلف عن مجرد دعوة سياسية إلى توقيف شخص.

وينص نظام روما الأساسي على أن مذكرة الاعتقال تصدر عندما ترى الدائرة التمهيدية، استنادا إلى طلب المدعي العام والأدلة والمعلومات المقدمة، وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشخص ارتكب جريمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة، وأن التوقيف تقتضيه اعتبارات محددة مرتبطة بالمحاكمة أو التحقيق أو منع استمرار الجريمة ذات الصلة.

لكن الأثر القانوني للمذكرة لا يساوي بالضرورة إمكانية تنفيذها في كل دولة، فالمحكمة لا تملك جهاز شرطة دوليا يتولى توقيف الأشخاص المطلوبين، وتعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول.

وهنا يظهر الفارق بين القوة القانونية للمذكرة وقدرتها العملية على الوصول إلى الشخص المطلوب. فالمذكرة قد تقيد حركة المطلوب عندما يدخل دولة تتعاون مع المحكمة أو تكون ملزمة، وفقا لنظامها القانوني والتزاماتها الدولية، بالتعامل مع طلب التوقيف والتسليم. أما وجوده في دولة لا تعترف باختصاص المحكمة أو لا تتعاون معها، فيخلق وضعا مختلفا تماما.

ممداني لم يتراجع عن الموقف نفسه

التطور الذي رافق زيارة نتنياهو الحالية إلى نيويورك قد يبدو للوهلة الأولى تراجعا من ممداني عن تعهده السابق، لكن تسلسل تصريحاته يشير إلى أمر أكثر تحديدا.

فالتراجع كان عن إمكانية التنفيذ من جانب مدينة نيويورك، وليس عن موقفه من المذكرة نفسها. ففي يوليو أقر بعدم امتلاك المدينة السلطة القانونية لتنفيذها، بينما عاد في سبتمبر ليؤكد أن المذكرة ينبغي احترامها، وأن المساءلة التي تقررها المحكمة لا ينبغي أن تستثني أحدا.

وهذا يفسر أيضا لماذا أصبح حضور نتنياهو إلى نيويورك ممكنا رغم تصريحات رئيس البلدية السابقة. فممداني لا يملك، وفق الموقف القانوني الذي أعلنته إدارته، سلطة إصدار أمر إلى شرطة المدينة بتوقيف رئيس حكومة أجنبي استنادا إلى مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.

وفي المحصلة تكشف قضية نتنياهو في نيويورك عن حدود واضحة في نظام العدالة الجنائية الدولية حيث ان المحكمة تستطيع إصدار أوامر اعتقال، لكن تنفيذها يرتبط بسلطة الدول وتعاونها.

Related posts

إيران: أميركا زعزعت التوازن الإقليمي وعواقب اغتيال العاروري ستؤثر عليها

Wa Lid

فرنسا: العجز التجاري يبلغ مستوى قياسيًّا

mahmoud

رئيس سريلانكا يتجه للسعودية وتحرك برلماني لانتخاب خليفته

root