حوّل المدارس إلى مناطق حماية… الأمن يضيّق الخناق على شبكات المخدرات

صابر الحرشاني

منذ العودة المدرسية، برز حضور أمني واضح في محيط عدد كبير من المؤسسات التربوية بمختلف الجهات، لم يقتصر على تنظيم حركة المرور وحماية التلاميذ عند الدخول والخروج، وإنما امتد إلى مراقبة المحيط القريب من المدارس والإعداديات والمعاهد واستهداف الأشخاص المشتبه في ارتباطهم بترويج المخدرات والجريمة بمختلف أشكالها.

وقد لقي هذا الانتشار ارتياحا لدى الأولياء والتلاميذ، خاصة في ظل تنامي المخاوف من وصول المخدرات إلى الفضاء المدرسي والشبابي. 

وتأتي هذه الخطة في وقت كثفت فيه الوحدات الأمنية والاستعلامية عملياتها ضد شبكات ترويج المخدرات، وأسفرت خلال الأشهر الأخيرة عن حجز كميات كبيرة من المواد المخدرة وتفكيك شبكات تنشط في مناطق مختلفة، بما يجعل الانتشار حول المؤسسات التربوية جزءا من عمل أوسع يستهدف مصادر الترويج ومسالك التوزيع، وليس مجرد إجراء ظرفي بمناسبة العودة المدرسية.

حضور أمني يمتد طوال السنة

وأظهرت المعاينات وجود وحدات أمنية وشرطة مرور أمام عدد من المدارس والإعداديات والمعاهد، إلى جانب دوريات متنقلة تؤمن بقية المؤسسات، مع اختلاف مستوى الانتشار بحسب طبيعة كل منطقة والإشكاليات المسجلة في محيط مؤسساتها.

وأكد مسؤولون أمنيون أن الخطة ستتواصل على امتداد السنة الدراسية، مع تعزيز الحضور في أوقات الذروة وفترات الدخول والخروج وأوقات الراحة. 

ولا تقوم الخطة على وضع دورية قارة أمام كل مؤسسة تربوية، وهو أمر غير ممكن بالنظر إلى وجود أكثر من 6100 مؤسسة تعليمية، وإنما تعتمد على الجمع بين نقاط المراقبة والدوريات المتنقلة والوحدات بالزي المدني، مع توجيه الموارد الأمنية نحو النقاط التي تستوجب تدخلا أكبر، خاصة المؤسسات التي سبق أن سجل محيطها إشكاليات مرتبطة بالعنف أو السرقة أو ترويج المخدرات. 

ويكتسب هذا الانتشار أهمية خاصة بالنسبة إلى الأولياء، لأن المخاطر التي تواجه التلاميذ لا تتوقف عند أبواب المؤسسات، بل يمكن أن تظهر في الطرقات والفضاءات التجارية والمقاهي ووسائل النقل ومحطات التوقف القريبة منها، ولذلك شملت الخطة الأمنية محيط المؤسسات والطرقات وتنظيم حركة المرور، إلى جانب مراقبة بعض الأشخاص والدراجات والوسائل التي يمكن أن تستغل في أنشطة مخالفة للقانون.

وتظهر أهمية هذا العمل الوقائي في الانتقال من انتظار وقوع الجريمة إلى محاولة منعها قبل الوصول إلى التلاميذ، خصوصا أن شبكات الترويج تبحث باستمرار عن منافذ جديدة لاستقطاب المستهلكين، ويشكل الوسط المدرسي والشبابي إحدى البيئات التي تستهدفها هذه الشبكات.

شبكات تتساقط وكميات تحجز

وتزامن تعزيز الحضور الأمني مع عمليات نوعية ضد شبكات ترويج المخدرات، كان آخرها في منتصف سبتمبر الجاري، عندما تمكنت مختلف اختصاصات إدارة الاستعلامات والأبحاث للحرس الوطني من الكشف عن شبكة تنشط في ترويج الكوكايين بعدد من مناطق تونس الكبرى، خاصة ضفاف البحيرة والمرسى وقمرت، وأسفرت العملية عن إيقاف 13 شخصا.

وقبل ذلك بأيام، تمكنت الفرقة المركزية الخامسة بالإدارة الفرعية لمكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني من تفكيك شبكة تنشط بين ولايتي تونس وأريانة وإيقاف 9 أشخاص من بين 11 شخصا يشتبه في انتمائهم إليها، مع حجز كمية من الكوكايين و27 صفيحة من القنب الهندي وأكثر من 27 ألف دينار وثلاث سيارات فاخرة ودراجة نارية.

وفي القصرين، تواصلت خلال العودة المدرسية عمليات الانتشار الأمني حول المؤسسات، بالتوازي مع التأكيد على استهداف الأشخاص المشبوهين ومروجي المخدرات في محيطها، وهو ما يوضح أن حماية الوسط المدرسي ترتبط بعمل استعلامي وميداني أوسع يتواصل خارج ساعات الدراسة وخارج أسوار المؤسسات. 

أما إحدى أبرز العمليات المرتبطة مباشرة بالوسط المدرسي خلال هذه الفترة، فسجلت في ولاية الكاف، حيث تم تفكيك شبكة وحجز أكثر من 14 ألف قرص من المؤثرات العقلية، قالت المعطيات الأمنية إنها كانت موجهة إلى التلاميذ.

وتزامنت العملية مع انطلاق السنة الدراسية، ما أعاد إلى الواجهة طبيعة المخاطر التي يمكن أن تواجهها المؤسسات التربوية ومحيطها. 

ولا تقف الحصيلة عند عمليات سبتمبر، فقد أعلن الحرس الوطني في ماي الماضي عن إعدام 250 ألف قرص من مخدر الإكستازي، بعد حجزها في إطار تفكيك شبكة دولية تنشط في الاتجار بالمخدرات وتهريب البشر وتمت العملية بحضور ممثل النيابة العمومية. 

كما تظهر أرقام السنة الماضية حجم العمل الأمني في هذا المجال، إذ أعلن الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني في جانفي 2025 إيقاف 4982 مروجا للمخدرات خلال سنة 2024، مقابل 3165 مروجا سنة 2023، مع تسجيل عمليات حجز لكميات كبيرة من القنب الهندي والأقراص المخدرة، بينها كميات قال إنها كانت موجهة إلى الأوساط التربوية. 

المعركة تبدأ من المحيط

و تكشف هذه العمليات أن التعامل مع المخدرات في الوسط المدرسي لا يمكن أن يقتصر على الحضور الأمني أمام المؤسسات، لأن المروجين لا يعملون بالضرورة داخل المؤسسة، وإنما يتحركون في محيطها وفي الأحياء ووسائل النقل والفضاءات التي يرتادها التلاميذ.

ولهذا تكتسب الدوريات المتنقلة والوحدات بالزي المدني أهمية إضافية، فهي تسمح بمراقبة المحيط وتحديد الأشخاص الذين يترددون بصورة مشبوهة على المؤسسات، كما تتيح متابعة بعض الخيوط التي تقود إلى شبكات الترويج خارج الفضاء المدرسي. وقد أكد مسؤولون أمنيون أن الحملات ستستهدف خصوصا الأشخاص المشتبه في تورطهم في ترويج المخدرات ومختلف مظاهر الانحراف. 

وفي المقابل، لا يمكن أن تتحول الحماية الأمنية إلى بديل عن الوقاية داخل المؤسسات والأسر، وقد سبق أن شددت السلطات على أهمية الجمع بين العمل الأمني والتحسيس بمخاطر المخدرات، بما يجعل حماية التلاميذ مسؤولية مشتركة بين الأمن والمؤسسة التربوية والأسرة والمجتمع.

وتعطي العمليات الأخيرة صورة عن طبيعة المعركة التي تخوضها الأجهزة الأمنية وهي مراقبة المحيط المدرسي، جمع المعلومات، تفكيك شبكات الترويج، حجز المخدرات قبل وصولها إلى المستهلكين، وتتبع الأشخاص والوسائل المرتبطة بهذه الأنشطة، و وفي المقابل، يظل حجم الكميات المحجوزة وتعدد الشبكات والمناطق التي تنشط فيها مؤشرا على أن الظاهرة تحتاج إلى عمل متواصل يتجاوز الحملات الظرفية.

ومن هنا يمكن فهم الحضور الأمني الذي برز مع بداية السنة الدراسية في عدد من الجهات، فهو لا يتعلق فقط بتأمين يوم العودة، وإنما يأتي ضمن خطة قالت وزارة الداخلية إنها ستتواصل طوال السنة، وتجمع بين الوقاية والتدخل والاستعلام وتنظيم المرور، مع توجيه الموارد نحو النقاط التي تظهر فيها مخاطر أكبر. 

وبالنسبة إلى الأولياء والتلاميذ، فإن وجود الأمن في محيط المؤسسات يبعث رسالة واضحة مفادها أن المدرسة ليست فضاء معزولا عن محيطها، وأن حماية الناشئة تبدأ أيضا من مراقبة الطرقات والفضاءات المحيطة بها، بالتوازي مع ضرب شبكات الترويج التي تحاول الوصول إلى الشباب عبر منافذ مختلفة.

Related posts

الأولى وطنيا..إنجازا أكاديميا جديدا لجامعة تونس المنار

Rahma Khmissi

وزير الإقتصاد يشارك في الدورة الثالثة للمؤتمر الإفريقي للمؤسسات الناشئة بالجزائر

Na Da

مهرجان قفصة الدولي: عرض مسرحية ” بنات سعاد”

Ra Mzi