العنف على الشاشة.. من الانعكاس إلى التأثير

أعادت آثار الاعتداء الذي تعرضت له الطفلة يقين النقاش حول العنف المسلط على الأطفال، لكنها فتحت في الوقت نفسه سؤالا آخر لا يقل خطورة: ماذا تفعل الصور والمشاهد التي تدخل يوميا إلى البيوت بعقول الأطفال والمراهقين. 

و لا تتعلق المسألة هنا بعمل درامي بعينه، ولا يمكن اختزال جريمة أو اعتداء في مشهد تلفزي أو شخصية خيالية، فالعنف ظاهرة معقدة تتداخل فيها الأسرة والمدرسة والشارع والوضع الاجتماعي والنفسي وغيرها من العوامل. لكن تجاهل التأثير المحتمل للمضامين المتكررة سيكون بدوره خطأ، خصوصا عندما يصبح العنف حاضرا بكثافة في المشهد الدرامي، لا باعتباره انحرافا يحتاج إلى تفسير ومواجهة، وإنما باعتباره وسيلة للقوة والهيبة وحل النزاعات.

من نقل الواقع إلى صناعة النموذج

و في السابق كانت الدراما تقدم الشخصية المنحرفة باعتبارها جزءا من الواقع، وتضع سلوكها داخل سياق يكشف مخاطره وعواقبه، أما في عدد من الأعمال الحديثة، فقد تغيرت طريقة تقديم الشخصيات والعالم الذي تتحرك داخله.

فالمجرم قد يتحول إلى شخصية جذابة، وتاجر المخدرات إلى صاحب نفوذ، والعنف إلى لغة يومية، والاعتداء إلى وسيلة لحسم الخلافات، وقد تأتي المشاهد أحيانا مصاغة بطريقة تجعل الشخصية العنيفة أكثر حضورا وتأثيرا من الشخصيات التي يفترض أن تمثل القانون أو المجتمع أو الأسرة.

وعندما تعرض الدراما المخدرات والعنف والجريمة باعتبارها ظواهر موجودة في المجتمع، فهي تقوم بوظيفة سردية يمكن أن تساعد على فهم الواقع، أما عندما تقدم هذه السلوكيات في صورة متكررة ومغرية، وتمنح مرتكبيها القوة والمال والقدرة على فرض الذات، فإنها تخاطر بتحويل السلوك المنحرف إلى نموذج قابل للتقليد، خصوصا لدى فئات عمرية لم تكتمل لديها بعد القدرة على الفصل بين الصورة الدرامية والواقع.

ولا يحتاج الأمر إلى أن يشاهد طفل مشهدا واحدا ثم يقلده في اليوم التالي. التأثير عادة أكثر تعقيدا وتراكمية. فالتكرار يغير درجة المألوف، وما كان صادما في البداية يمكن أن يتحول مع كثرة عرضه إلى مشهد عادي، ثم إلى لغة بصرية مألوفة، وربما إلى سلوك يبدو قابلا للتجربة.

المخدرات والعنف في الواجهة

و المشكلة لا تتوقف عند الضرب أو الاعتداء الجسدي، فبعض الأعمال تجعل عالم المخدرات والجريمة جزءا مركزيا من الحبكة، وتفصل أحيانا بين الجريمة وعواقبها الحقيقية.

و تظهر المخدرات في سياق من القوة والمغامرة، والأسلحة تصبح جزءا من صورة الشخصية، والتهديد والابتزاز وسيلة للتعامل مع الآخرين. وفي بعض الحالات، يكون التركيز على حياة الجاني أكثر من التركيز على ضحاياه، وعلى قدرته على الإفلات أكثر من مصير من دفعوا ثمن الجريمة.

وتطرح هذه الصورة د مسؤولية حقيقية على كتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين فالدراما ليست محكمة ولا مؤسسة تربوية، لكنها أيضا ليست محايدة تماما تجاه ما تعرضه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين الذين يستهلكون المحتوى خارج أي رقابة فعلية.

ويحتاج المجتمع دراما تتناول هذه الملفات، بل إن تجاهلها قد يكون أكثر خطورة. لكن السؤال الأهم هو: كيف تعرض الدراما هذه الظواهر؟هل تقدم الجاني باعتباره نموذجا يستحق الإعجاب؟ أم تكشف الثمن الذي يدفعه والضحايا الذين يتركهم وراءه؟ هل تجعل المخدرات جزءا من الإثارة فقط؟ أم تظهر آثارها على الفرد والأسرة والمجتمع؟ وهل يتحول العنف إلى مجرد مشاهد متتالية، أم يصبح مناسبة لفهم أسبابه ونتائجه؟

هذه التفاصيل تصنع الفارق

المسؤولية لا تقع على الشاشة وحدها فالحديث عن تأثير الدراما لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة جاهزة تعلق عليها كل جريمة. فطفل يتعرض للعنف داخل أسرته، أو يعيش الإهمال، أو ينقطع عن المدرسة، أو ينشأ في محيط تنتشر فيه السلوكيات الخطرة، لا يمكن تفسير ما يتعرض له أو ما قد يرتكبه بمشهد تلفزيوني.

لكن المسؤولية موزعة. الأسرة مطالبة بمعرفة ما يشاهده أبناؤها، والمدرسة مطالبة بتعزيز قدرتهم على التفكير النقدي، والجهات المختصة مطالبة بتطبيق التصنيفات العمرية وحماية الأطفال، فيما تتحمل صناعة الدراما مسؤولية أخلاقية في طريقة تقديم الشخصيات والأفعال.

والمطلوب ليس دراما خالية من الجريمة والعنف، ولا أعمالا تقدم عالما مثاليا لا يشبه المجتمع. المطلوب فقط ألا يتحول المنحرف إلى بطل لمجرد أنه الأكثر قدرة على إثارة المشاهد، وألا تصبح الجريمة ديكورا للإثارة، وألا يختفي الضحية والعواقب من الصورة.

إن آثار الاعتداء على الطفلة يقين لا تستدعي فقط البحث عن الجاني والعقاب الذي يستحقه، وإنما تفرض أيضا فتح نقاش أوسع حول البيئة التي يكبر فيها الأطفال، وما يصل إلى عيونهم وآذانهم، وما تقدمه لهم الدراما من نماذج للسلوك لأن حماية الطفل لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ أيضا من كل ما يساهم في تشكيل نظرته إلى العنف والآخر والاختلاف والقوة. وفي هذه النقطة تحديدا، تصبح الدراما أمام مسؤولية لا يمكن تجاهلها.

Related posts

انقلاب حافلة بزغوان يسفر عن إصابة 24 شخصا

Rahma Khmissi

نوفل عميرة: أصبحنا في قلب الخطر وشركات أدوية عالمية تُغادر تونس

Halima Souissi

وزيرة العدل تقرر تكوين لجنة لمتابعة تعطل ملف اغتيال الشهيدين بلعيد و البراهمي

Anissa Taha